المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
مناقشة الحرية الاقتصادية (والسياسية) في القاهرة

بقلم رونالد مايناردوس


نحتفل هذا العام بالعيد العشرين لتوحيد ألمانيا، فبجانب تحقيقه لوحدة وحرية الشعب الألماني يرمز هذا الحدث التاريخي بالتحديد إلى نهاية المواجهة العالمية بين ما كان يُعرف آنذاك بالغرب والشرق. وبالفعل وصل هذا الصراع إلى نهايته بنصر محقق للنموذج الليبرالي.

ومنذ ذلك الحين تحولت معظم بلدان أوربا الشرقية وفي جنوب شرق أوروبا إلى بلدان تتمتع بالديمقراطية السياسية تتبع مبادئ اقتصاد السوق في إستراتيجياتها التنموية. وكان النصر الأيديولوجي للنموذج الليبرالي العملي منذ قرابة العشرين عاماً كاسحاً لدرجة أن البعض سارع بالقول بأن البشرية وصلت "إلى نهاية التاريخ." وعلى الرغم من أن هذه الفرضية المتسرعة أثبتت عدم صحتها بل "وعدم تاريخيتها" أكثر من مرة، فإن انهيار الشيوعية يظل بدون شك حدثاً تاريخياً له ما له من تبعات ودروس مستفادة بالنسبة للعديد من بلدان العالم.

حضرني كل هذا أثناء استماعي للعرض المقدم من الأستاذ الجامعي البولندي الذي قدمه بالمؤتمر الخامس عن الحرية الاقتصادية بالعالم العربي المنعقد بالقاهرة في أوائل شهر نوفمبر. ففي عرضه بعنوان "خرائط الإصلاح لأوروبا الشرقية: هل مرت الطرق إلى الازدهار بأرض الحرية الاقتصادية؟" عرض الأستاذ أندريه كوندراتوفيتز بيانات تبين الزيادات الهائلة في الدخل ببلدان أوروبا الشرقية على مدار الأعوام الماضية – وهي الزيادة التي شهدتها قطاعات المجتمع بأسرها. وعلى الرغم من استمرار المشكلات الاجتماعية فإن المجتمعات الأوروبية الشرقية سارت قُدُماً بأسلوب مثير للإعجاب. يتمثل مفتاح هذا التطور وفقاً للباحث الهولندي في "التغيير المؤسسي" العميق. ففي معظم بلدان أوروبا الشرقية هذه التغييرات جاءت مدفوعة برغبة الحكومات في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي وقف الانضمام كما هو معروف عنه على الالتزام بمعايير اقتصادية وسياسية صارمة على حد سواء. والأهم من ذلك أن تلك الدول الأوروبية في رأي الباحث كوندراتوفيتز التي شهدت أكبر القفزات التنموية هي تلك التي تعكس اليوم درجات عالية بالإحصاءات الدولية التي تقيس الحرية الاقتصادية وهي استونيا والجمهورية السلوفاكية والمجر ولتوانيا.

وتمثل التجربة الأوروبية الشرقية خير دليل على الفرضية الأساسية التي يضعها "مؤشر الحرية الاقتصادية"، إذ يقر التقرير السنوي الذي ينشره في كندا معهد فريزر بالعلاقة المتلازمة بين درجة الحرية الاقتصادية والتنمية ، وهو ما يوثقه التقرير بطريقة تطبيقية عملية. الرسالة مباشرة لا لبس فيها: كلما زادت الحرية الاقتصادية داخل الدولة، زاد النمو الذي تسجله هذه الدولة. يقيس المؤشر درجة الحرية الاقتصادية على خمسة مستويات متميزة: حجم الحكومة، الإطار القانوني والتشريعي وحقوق الملكية، سهولة التمويل، حرية التجارة الدولية، وأخيراً الإطار المنظم للائتمان والعمالة والنشاط التجاري. الأقطار التي تأتي أعلى قائمة المؤشر هي ذات البلدان الغنية، وذلك على المستوى الدولي، في حين تجد البلدان الأفقر نفسها في ذيل القائمة، ومن بين الدول التي تتصدر القائمة في سنة 2010 نجوم الاقتصاد على شاكلة هونج كونج وسنغافورة ونيوزلندة وسويسرا وتشيلي، في حين نجد أسفل القائمة دول مثل زيمبابوي وميانمار وأنجولا وفنزويلا.

على مدار السنوات الثلاثة الأخيرة شاركت المؤسسة التي أترأس أعمالها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع معهد فريزر بكندا ومع مؤسسة البحوث الدولية في نشر تقرير إقليمي يتعامل بشكل حصري مع حالة الحرية الاقتصادية في العالم العربي. يتمثل الهدف من هذا التقرير في التوثيق التطبيقي لمدى التقدم في حالة الحرية الاقتصادية أو الافتقار إليه في هذه المنطقة من العالم. في تقرير هذه السنة تحتل البحرين مركز الصدارة تليها الكويت ثم لبنان، بينما تحركت مصر إلى أعلى بحيث تأتي في المرتبة التاسعة. أما الجزائر وسوريا وموريتانيا وتونس فقد تبين مجيئها في المراتب الدنيا للحرية الاقتصادية بين البلدان العربية وفقاً لهذا المسح.

وعلى الرغم من تحسن مراتب بعض البلدان العربية على مدار السنين، كما هو الحال في مصر، فإن البيانات توضح أيضاً أنه عند عقد المقارنة الدولية يعتبر تطور الحرية الاقتصادية في العالم العربي راكداً بعض الشيء. وفي عالم الأعمال والتجارة الآخذ في التحول نحو العولمة يعد هذا عاملاً هاماً. قد يكمن أحد تفسيرات هذا التراجع في نوعية الحكم الرشيد (أو الافتقار إليه) في العالم العربي، وذلك وفق ما أورده المشاركون بفعاليات مؤتمر القاهرة.

أوضح فريد ماكماهون من معهد فريزر قائلاً: "سيادة القانون هي البنية التحتية للحرية الاقتصادية." أثناء النقاش التالي اتضح أن هذا العنصر بالذات به بعض المشكلات بالعالم العربي. وعلى الرغم من أن المؤتمر انصب تركيزه على الإصلاحات الاقتصادية، وأن معظم النقاش دار حول البيانات والإحصاءات الخاصة بالاقتصاد الكلي، فإن المشاركين المصريين الكثيرين ممن حضروا المؤتمر بدا أنهم يقرون بأن الاقتصاد والسياسة لا يمكن، بل لا يجب، أن ينفصلا. فقد جاء على لسان أحد المشاركين قوله: "الإصلاح السياسي ضروري. لا يمكن أن تتحقق الحرية الاقتصادية إن لم نتمتع بالحرية السياسية."

"تقرير الحرية الاقتصادية بالعالم العربي" لسنة 2010 متاح على الموقع الآتي على شبكة الإنترنت:

http://www.scribd.com/fnfcairo

* الدكتور رونالد مايناردوس المدير الإقليمي لمؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، القاهرة.

الرجوع للأعلى
 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر