المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
المستقبل المصري

بقلم رونالد مايناردوس


أحد تعريفات مصطلح السياسة هو "مناقشة وتطبيق قرارات متعلقة بمستقبل المجتمع". تتأثر عملية صنع القرار السياسي بعدد غير قليل من العوامل والمصالح المتضاربة والرؤى غير المتوافقة، وهو ما يؤدي عادة إلى عدم القدرة على اتخاذ قرارات إستراتيجية واضحة.

التنبؤ بالمستقبل الاقتصادي والسياسي هو مهنة المحللين. أولئك المحللون عادة ما يكونون خبراء حاصلين على قدر من التدريب في مجالاتهم، إلا أنهم ليسوا بأنبياء – لذا فهم يعتمدون في صنع توقعاتهم للمستقبل على قراءاتهم للماضي. لا يفهم المرء المستقبل دون معرفته بالماضي.

رغم مقتي للتنميط، إلا أني أستطيع – مطمئنــًا – القول بأن المصريين هم شعب يميل للتفاؤل، فلا يكاد أي نقاش حول المستقبل المصري يخلو من عبارة "الغد سيكون أفضل من الأمس". تفاؤل يشعرني بالدهشة الشديدة خاصة مع النظر إلى التجربة المصرية بأكملها وما مر به الشعب المصري. فالتفاؤل على ما يبدو هو أحد مكونات الروح الوطنية المصرية والتي يغذيها الإيمان بأن كل ما يقدمه الخالق العظيم هو بالضرورة خير. على العكس من ذلك، في المجتمعات الغربية شديدة العلمانية لا نجد مثل تلك الروح المتفائلة سائدة كون عدد المؤمنين هناك أقل بكثير.

تتسم المناقشات الدائرة حول المستقبل السياسي لمصر بالتركيز على النظرة قصيرة الأمد، ولا تتجاوز آفاق المتحاورين الأيام أو الأسابيع أو الشهور، ونادرًا ما تتجاوز ذلك لتصل لأعوام أو عقود. تعيش مصر – من الناحية السياسية – في عالم لحظي، عالم الحاضر: هنا والآن. ويختلف ذلك تمامــًا عن واقع المناظرات السياسية في بلادي – ألمانيا – حيث يتعاطى الجيل الحالي من السياسيين بمنتهى الجدية مع تحديات الأجيال القادمة. ذلك المنظور المتجاوز للأجيال – أو لنقل ذلك التضامن مع الأجيال القادمة – نراه من خلال القرارات الخاصة بالصحة وسياسات المعاشات والبيئة والإجراءات المتبناة لتقليص العجز المتضخم في الموازنة. تلك هي أمثلة قليلة لأولويات سياسية مستقبلية أو طويلة الأجل تدور حولها المعارك الانتخابية، وتنتهي – من أجلها – بالفوز أو الخسارة.

مثل تلك الأولويات غائبة عن الواقع المصري، والمنظور السياسي هنا يركز بشكل أساسي على الأمد القريب. فالشغل الشاغل اليوم هو تعديل الدستور: الساسة يصوغون الإطار القانوني للبلاد خلف الأبواب المغلقة، والرفاق على المقاهي منشغلون بمن هو الزعيم القادم. ذلك الترتيب للأولويات يعكس حقيقة أنه بالنسبة للكثيرين قد لا يكون النص الدستوري بتلك الأهمية، وأن ما يهم بنهاية الأمر هو اسم الشخص الموجود على رأس السلطة. قد يكون من التعالي أن نلوم على الناس عدم اهتمامهم بالأحاديث الدستورية حول الحريات والعدالة الاجتماعية والمساواة – فخبراتهم الحياتية تختلف شديد الاختلاف عن الصياغات السياسية المنمقة.

وفي هذا الشأن فإن تعاطي اللجنة السياسية قد يكون شديد الصلة – وأتمنى ألا يؤخذ كلامي على غير محمله. فالنتائج سيكون لها عظيم الأثر حتى على المشهد السياسي للمستقبل المصري القريب. أساسيات قانون الانتخابات لن تقتصر على تحديد مستقبل النظام الحزبي المصري، بل ستؤثر أيضــًا في تركيبة البرلمان القادم. شكل نظام الحكم ومدى سيطرة الرئيس سيحددان ما إذا كان وزير الدفاع الحالي (معشوق الكثيرين) سيلقي بقبعته إلى الحلبة أم لا. ولا يتوقع المحللون أن ينخرط الفريق السيسي في المنافسة على المنصب الأعلى ما لم يمنحه الدستور القادم سلطات كاسحة.

لقد ذكرت آنفــًا أن القدرة الجيدة على التوقع بالمستقبل تتوقف على مدى المعرفة بالماضي. تلك الصلة بين الماضي والمستقبل تسري على الحكومات والمجتمعات بل وحتى الأمم، فجميعهم لن ينجحوا في إدارة المستقبل ما لم يكونوا قادرين على التصالح مع الماضي.

يمتلئ الماضي السياسي المصري القريب بالاضطرابات والصراعات المؤلمة والدموية. وكما هو الحال دائمــًا في المعارك يوجد فائزون وخاسرون. لا يمكن للوحدة الوطنية أن تبنى إلا على أساس عملية سياسية شاملة، لن تتأتى إلا من خلال وفاق سياسي كشرط أساسي. أحد أهم مكونات عملية التعافي الوطني الجمعي هو التصالح مع الماضي، وبشكل قانوني. لقد تعافت مجتمعات في أرجاء كثيرة من العالم بعد أن مزقتها الصراعات من خلال التطبيق الناجع للعدالة الانتقالية ومجهودات أخرى للتغلب على جراح الماضي. إن غياب الثقافة السياسية للتوافق هو واحد من أهم وأخطر التحديات التي تعانيها مصر وتعيقها عن التعاطي مع المستقبل. يتفق الجميع حول وجوب إيجاد حلول للمشكلات المتفاقمة في الوطن، إلا أنه لا أحد يرى أبعد من ذلك.

لا نزال نفتقر إلى المجهودات المتضافرة والرؤية الوطنية – وفوقها جميعا – إرادة سياسية معلنة. كيف سيكون حال البلاد بعد عشر أو عشرون أو حتى خمسون عامــًا؟ تلك هي نوعية المناظرات التي نحتاجها. التوقع الوحيد الموثوق الذي لا أنفك أستمع له هو أنه بحلول عام 2050 – حيث سيكون الجزء الأكبر من الأجيال المصرية الصغيرة حاضرًا – سينفجر تعداد سكان مصر ليصل إلى 150 مليون نسمة. مثل ذلك التوقع هو مادة خصبة لأنبياء وعرافي يوم القيامة والذين يخشون أن المشكلات المصرية قد تصل أبعادًا وتعقيدات تتجاوز حدود القدرة على السيطرة والإدارة. أولئك يتوقعون المزيد من الإفقار وثورات الجياع والفوضى، والتي لن يكون لها حل سياسي سوى حكم ديكتاتوري قاسي. سأجادل بأن ذلك السيناريو هو الأكثر سوادًا وقتامه في بورصة الآراء السياسية، وكوني متفائلا بطبعي فسأنأى بنفسي عن تلك المدرسة الفكرية. إلا أن بقاء مثل ذلك السيناريو القاتم لائحــًا في الأفق (كأحد التوقعات المتشائمة للمستقبل) يتوقف على ضرورة تبني تعديلات سياسية جذرية وهيكلية الآن وفورًا. والمشكلة المصرية هي أن تلك الخطوات الجذرية لا تبدو لها أية بشائر في الأفق.


هذه المقالة نشرت بصحيفة الديلي نيوز المصرية بتاريخ 17 نوفمبر 2013

* الدكتور رونالد مايناردوس المدير الإقليمي لمؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، القاهرة.

Twitter @Meinardus

الرجوع للأعلى
 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر