المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
سياسة الشارع وحرية التجمع في مصر

بقلم رونالد مايناردوس


دخلت المرحلة الإنتقالية المضطربة في مصر طورًا جديدًا، مع ظهور بوادر لإعادة التنسيق السياسي. فالانقسام الواضح بين الإسلاميين ومناهضيهم – أو لنكن أكثر دقة: الاستقطاب القائم بين مناصري قوى الثلاثون من يونيو ومناهضيهم – بدأ بالتلاشي. ساند الجيش حكومة بدأت بفقدان دعم ما يطلق عليه القوى الثورية، سواء من الليبراليين أو اليساريين أو الجماعات الأخرى (غير الدينية)، ولن تلبث الأمور أن تعود بمصر إلى المشهد السياسي السابق على الخامس والعشرين من يناير، المشهد الآن منقسم بين نظام (قديم) يرعاه الجيش على جانب، وعلى الجانب الآخر يقف كل من ثار ضد ذلك النظام. أكاد أسمع بعض الناس يقولون أن مصر تعيش مرحلة "مباركية بدون مبارك"، ويعتقد البعض الآخر أن مصر قد عادت لسيطرة الدولة العميقة، بينما يجزم البعض أن مصر لم تخرج أبدًا – من الأساس – عن سيطرة الدولة العميقة.

وقد كان المُحفز الأهم – بل والأوحد – لكل تلك المستجدات هو التعديل الحكومي لقانون التظاهر، حيث أثارت المراجعة بعيدة الأثر لذلك القانون – والتي أقرها الرئيس المؤقت بمرسوم رئاسي – عاصفة من الانتقادات. وبالطبع لم يكن من المفاجئ ألا تبتهج الجماعات الإسلامية المهمشة والمدانة بتلك التعديلات. إلا أنه على المستوى السياسي ما يهم أكثر هو رد فعل المعسكر الذي تصدر طليعة انتفاضة الثلاثين من يونيو ورواد النظام المصري الجديد، لقد قالوها صراحة: لن يقبلوا بفرض قيود يرونها هم انتهاك لمبادئ الثورة.

تعديل قانون التظاهر ليس بالأمر الهين، فحرية التجمع هي حق إنساني سياسي أصيل شأنها في شأن حرية التعبير والحريات النقابية، جميعها تشكل ركائز للديمقراطية. حرية التجمع تحمي حق المواطنين في الإجتماع والتعبير عن آرائهم بشكل جماعي. وكافة الدساتير الديمقراطية تكفل هذا الحق الأصيل. حرية التجمع هي حرية غير محدودة، مثل كافة الحقوق الليبرالية الأخرى. في بلادي – ألمانيا – للمواطن حق التجمع بشكل سلمي فقط، وأية نية لإستغلال المظاهرات في نشر العنف تعد خروج على القانون وتتعامل معها السلطات على هذا الأساس. كما تنص قوانين التجمع على وجوب أن يقوم منظمو المظاهرة بإخطار السلطات قبل موعدها بيومين، وللتوضيح فإن ذلك الإخطار يختلف عن طلب التصريح، فموافقة السلطات ليست شرطــًا. السلطات – تحديدًا الشرطة – تطلب المعلومات لحاجتها لاتخاذ إجراءات احترازية ضرورية مثل عمل بعض التحويلات المرورية مثلاً.

في العملية السياسية المصرية تلعب المظاهرات والاحتجاجات الشعبية دورًا أكبر بكثير من مثيله في الديمقراطيات المتقدمة في أوروبا الغربية، حيث يتمتع المواطن الغاضب أو المحبط بوجود أكثر من قناة للتعبير عن العداوة السياسية. ويتصدر تلك القنوات – المؤسساتية بالطبع – الأحزاب السياسية وجماعات المواطنين أو المجتمع المدني بشكل عام. في الديمقراطيات المتقدمة تتمتع تلك المجموعات بالتنظيم الجيد، مما يتيح لها التأثير على عملية صنع القرار السياسي سواء على المستوى الوطني أو مستوى المحليات. بينما يختلف الوضع في مصر، فمثل تلك الآليات إما غائب أو ضعيف أو يفتقر للمصداقية. ويؤدي ذلك التدني في مستوى تفاعل المؤسسات السياسية إلى سيادة سياسة الشارع. وبمعنى آخر فإن المظاهرات التي لا تنتهي ما هي إلا انعكاس لضعف النظام السياسي. أضف إلى هذا ثغرات النظام القضائي الذي فشل مرارًا وتكرارًا في معاقبة الجناة (سواء أفراد أو جماعات) الذين قتلوا المتظاهرين أو سببوا لهم العاهات وساعد على إفلاتهم من العدالة مما أعطى زخمــًا لموجة جديدة من الاحتجاجات – الدموية أحيانــًا – والتي تثور على خلفية التضامن مع الشهداء المغدورين، لتنشأ حلقة مفرغة لن تنتهي إلا بإنجاز العدالة والمساءلة.

أتيحت لي فرصة مراقبة عدد هائل من المظاهرات في كل من ألمانيا ومصر، لأجد أن حتى الحبكة الدرامية مختلفة بين البلدين. في مصر غالبــًا ما ينتهي أي تجمع سياسي عام بتصعيد يتسم بالعنف مع عدد من القتلى والجرحى، وغالبــًا ما يكون سلوك قوات الأمن عاملاً مساعدًا على اندلاع مشادات تؤدي إلى التصعيد بدلاً من التهدئة، وغالبــًا ما تبدأ المشكلة بمجموعة صغيرة من المتظاهرين يلقون بالحجارة على رجال الشرطة الذين يردون بطريقة أبعد ما تكون عن التكافؤ. وكما يرى خبراء التحكم في الحشود فإن الإستخدام غير المتكافئ للقوة من قبل الشرطة هو المسبب الرئيسي للتصعيد العنيف لاحقــًا. الأمر بكل تأكيد متصل بالأساليب التشغيلية والتكتيكية لعمل الشرطة، فالقوات التي تواجه الحشود الغاضبة غالبــًا ما تبدو قليلة الحيلة عندما يأتي الأمر لإحتواء المحتجين. أسلوب استخدام القوة العمياء هو تكتيك لا يتسم بالذكاء ويؤدي إلى تكاتف أوسع بين المحتجين، كما يضعف شرعية الحكومة.

وبالإضافة إلى تبني أسلوب استخدام قوة أقل و – بالتالي – تهدئة الموقف، فإن الأولوية القصوى ينبغي أن تكون للقضاء على البلطجية المسلحين من أجل تقليل العنف و – بالتالي – إضفاء المزيد من الأمان على المظاهرات في مصر. فللأسف، أصبح مصطلح "البلطجية" هو الإسم التجاري لسياسة الشارع في مصر. ولن يكن من السهل أبدًا تحييد هؤلاء البلطجية بصفتهم مصدرًا للعنف، خاصة في ظل الشائعات المتزايدة حول وجود كشوف مرتبات لهؤلاء المجرمين المأجورين تسددها لهم "الدولة العميقة". ومع ذلك، فطالما عجزت القيادة السياسية عن فرض سيطرتها على فعاليات جميع قطاعات الدولة، فإن قدرتها على تهدئة الشوارع الثائرة في مصر ستصير – بكل تأكيد – محل شك.

وأقول في هذا الصدد أن ثورة الخامس والعشرين من يناير كانت نقطة تحول، ولن ينجح قانون التظاهر الجديد في تغيير تلك الحقيقة.


هذه المقالة نشرت بصحيفة الديلي نيوز المصرية بتاريخ 1 ديسمبر 2013

* الدكتور رونالد مايناردوس المدير الإقليمي لمؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، القاهرة.

Twitter @Meinardus

الرجوع للأعلى
 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر