المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
أفكار ليبرالية في تاريخ الفكر العربي

بقلم رونالد مايناردوس


من بين الامتيازات التي أحظى بها لعملي بالبرنامج الدولي لمؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية هذه الفرص العديدة التي تتيح لي إمكانية الالتقاء بمنظمات ليبرالية من شتى بقاع الأرض، وبالعديد من الأفراد الليبراليين من خلفيات قومية وثقافية ودينية متنوعة. ويتمثل الضمان الأدوم الذي ينبعث من هذه المقابلات في كون الأفكار والقناعات الليبرالية القائلة بأن تأمين حرية الفرد أفضل من الافتقار إليها لا تقتصر على جزء من العالم أو من الثقافة دون غيره. بل على العكس فإن الرغبة في تحقيق الحرية الشخصية مطلب عالمي.

يتباين حجم الحركة الليبرالية وأثرها من مكان لآخر نظراً لعدد من العوامل. فعلى خلفية السياق السياسي ربما يُنظر إلى القوى الليبرالية في العالم العربي بوصفها ضعيفة ومحصورة. والليبراليون في هذه المنطقة تواجههم تحديات لا حصر لها، وفي الكثير من الأحيان تتصل هذه باتهامات باطلة وادعاءات، فمن بين المقولات النمطية الشائعة تلك التي توحي بأن الأفكار الليبرالية لا تتسق مع الثقافة العربية ولا الإسلام. ولكن ما يثير السخرية أن فرضية عدم اتساق القيم الليبرالية (أي الغربية) مع القيم الإسلامية (أي العربية) من الفرضيات التي يُروج لها المفكرون الغربيون الكبار الذين يقولون بأن "صدام الحضارات" لا مفر منه.

العدد الأكبر من العرب في الوقت الحالي لم يحظ سوى بقدر محدود من التعرض للظروف الليبرالية، لأنهم نشأوا ويعيشون في بيئة مختلفة تماماً. ففي معظم أنحاء الشرق الأوسط تتمثل التجربة "الملموسة" الوحيدة لليبرالية في "تحرير الاقتصاد". ولكن في العديد من الحالات فشلت إصلاحات السوق المعلنة في تحسين الظروف المعيشية التي تظل أدنى بكثير من توقعات الجماهير. واليوم يُلقي المصريون باللوم على "إصلاح السوق" عند الحديث عن الفساد والمحسوبية المتفشية. وهم لا يستطيعون – أو لا يرغبون – استيعاب أن الفشل لم يأت من نظام السوق، بل السبب الرئيس وراء غياب حركة الثروة "من أعلى لأسفل" متمثل في الافتقار إلى سيادة القانون والمحاسبة والمساءلة، ألا وهي الشروط الأساسية التي لا بد من توافرها في الأسواق لكي تنطلق قوتها المفيدة بحرية.

ليس من باب التهويل أن نقول أن الليبرالية تعاني من سوء السمعة في العالم العربي. إذ يتعلق هذا الأمر بقدر كبير بالسياسات الدولية، ففي أكثر من مناسبة ألحق سلوك القوى الخارجية الضرر بمفاهيم الديمقراطية والليبرالية (أو الديمقراطية الليبرالية)، فقد تدخلت القوى الغربية في المنطقة لنصرة مبادئ ديمقراطية وليبرالية لها ما لها من قدسية ثم بعد ذلك سلكت سلوكاً لا يتسق مع هذه المبادئ في حد ذاتها. وفي هذا الصدد نتذكر غزو العراق أو القضية الفلسطينية. وهي الأمثلة التي تخرج أثناء المناظرات السياسية على امتداد العالم العربي بوصفها مثالاً على المعايير المزدوجة التي يتعامل الغرب بها. ولكن هذا ليس بجديد، فالاستعمار الغربي لشعوب المنطقة لطخ صورة المستعمرين، بل والأفكار التي كانوا يتبنونها. فمع ادعائهم بالترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان (على الرغم من أنهم فعلوا هذا تدريجياً) ، كانوا في الواقع يحكمون بأسلوب غير ليبرالي تماماً.

تواجه القيم والمبادئ الليبرالية اليوم هجوماً من جوانب مختلفة في العالم العربي. ولهذا من المفيد أن نستدعي هذه الجذور الفكرية التي تتمتع بها تلك الأفكار في هذه المنطقة. ومما استرعى انتباهي عند مراجعتي لكتاب نحن بصدد نشره هنا بالقاهرة تحت عنوان "الليبرالية في تاريخ الفكر العربي"، أن هذه المبادئ والقيم تمتعت بدرجة من الشعبية الكبيرة بين المفكرين السياسيين العرب في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إن فكرة الليبرالية العربية تضرب بجذورها في تاريخ الفكر بالمنطقة وتمتعت بسيادة فيما مضى بالخطاب العام، وهي بهذا أبعد ما تكون عن مجرد مشروع سياسي معاصر، على حد قول المستعرب الألماني كليمنز ريكر، الذي كرس حياته الأكاديمية لدراسة الفلسفة السياسية العربية. من خلال الكتاب يوثِّق ريكر مقتطفات من كتابات مفكرين سياسيين مصريين كبار تعبر عن رسائل سياسية قوية. ومن بين الاقتباسات المفضلة لي تلك التي تأتي من أحمد لطفي السيد المفكر المصري الشهير الذي توفي سنة 1963 ووصف بأن مهندس العلمانية والليبرالية المصرية ويقول فيها "الإنسان يحفظ حرية فكره ومشاعره وحريته الطبيعية حتى ولو كان في غيابة السجون... خُلق الإنسان حراً، حر الإرادة، وحر الاختيارات." وفيما يتصل بالقضية الكبرى المتمثلة في حقوق المرأة يقتبس ريكر من محمد عبده أحد الإصلاحيين المصريين المسلمين الكبار قوله الذي أتى به سنة 1905 قبل وفاته بوقت قليل: "حسن! إن كانوا يخشون الفتنة من النساء غير المنتقبات، فلم لا يؤمر الرجال بتغطية وجههم؟"

انطلقت النهضة العربية التي تنتمي إليها هذه الكتابات في طريق إصلاحي حمل العديد من الأفكار الليبرالية. وسعى الكثير من المفكرين الذين لم يخش البعض منهم الدخول في مجال النشاط السياسي إلى تحرير مجتمعاتهم من الاستبداد الأجنبي والداخلي على حد سواء. فقد نادوا بسمو الحرية بوصفها غاية في حد ذاتها، بل والأهم من هذا بوصفها وسيلة لتحديث بلدانهم. وفي كتابه الأخير بعنوان "الفكر الليبرالي في شرق البحر المتوسط: نهاية القرن التاسع عشر حتى الستينيات من القرن العشرين" يؤيد كريستوف شومان هذا الموقف ويقول: "ليس هناك من شك أن الأفكار الليبرالية كانت مؤثرة، بل ومهيمنة (في العالم العربي) ... وأن هذا التأثير تبخر في وقت ما في منتصف القرن العشرين." وفي العادة يُعزى انحسار الليبرالية إلى ازدهار القومية العربة وإعادة أسلمة المجتمع.

كان الفكر الليبرالي وطموحاته رد فعل للظروف غير الليبرالية. وكان هذا هو الوضع القائم في الماضي وهو الوضع الذي يمكن حتى رصده في الوقت الحالي: وعند الأخذ في الاعتبار الحالة غير الليبرالية للأمور السائدة في قطاع كبير من العالم العربي ليس من المدهش أن يتصاعد مد الفكر والكتابات الليبرالية مرة أخرى.

وفي هذا السياق تعد الكتابات الليبرالية الأصلية من الماضي هامة. حيث يفند مجرد وجودها الادعاء القائل بأن الفكر الليبرالي منبعه أجنبي وغير إسلامي. وأنا مقتنع بأن الأفكار (والسياسية) الليبرالية لا يمكن فرضها من الخارج. ويجب على الرجال والنساء من أصحاب الفكر الليبرالي أن يتكاتفوا مع بعضه البعض وأن يتولوا تطوير نماذج ومفاهيم وبرامج ليبرالية خاصة بهم حتى تزدهر الليبرالية. ويمكنهم النظر إلى ماضيهم حتى يتمكنوا من العثور على حافز ودليل فكري يسترشدوا به.

* دكتور رونالد مايناردوس المدير الإقليمي لمؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية بالقاهرة.


(هذه المقالة تم نشرها بجريدة الدستور يوم الثلاثاء السابع من سبتمبر عام 2010)

 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر