المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
مشكلات الليبراليين الغربيين في فهم الواقع المصري

بقلم رونالد مايناردوس


ملحوظة شخصية أبدأ بها مقالي: أكتب هذا المقال الآن بمزيج من الحذر وعدم الارتياح، فـأنا أجنبي أعيش في مصر وأنوي الكتابة عن موضوعات سياسية تخص البلد الذي يستضيفني. وطالما كان الصحفيون الأجانب قابعون في الحبس بسبب آدائهم لعملهم، لذا وجب الحذر. أنا لست مراسلاً صحفيــًا، بل بإمكاني أن أطلق على نفسي صفة "المحلل". وبعيدًا عن أهوائي الشخصية – والتي عادة ما تكون المحرك الرئيسي في كتابات معظم الكتاب – فإن الهدف الأساسي من مقالي هو تقديم المعلومات للمتابعين المهتمين، سواء كانوا هنا من المصريين أو هناك في وطني من الألمان. أنا أترأس معهد ألماني ليبرالي يرعى مشاريع التعليم المدني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجزء أساسي من روتيني اليومي أن أطلق أو أتولى الإشراف على نشاطات الحوار السياسي بين الأوروبيين والعرب – بمن فيهم المصريين. صارت وظيفتي تلك أكثر صعوبة على مدار الأشهر القليلة الماضية، وسأحاول شرح أسباب ذلك هنا في مقالي.

على مدار الأعوام القلائل الفائتة لم يكن الانقسام بين الرأي العام السائد في مصر – أو ما يتم الترويج له على أنه كذلك –والعالم الغربي بتلك الحدة والوضوح كما هو الحال اليوم. ففي ظل أجواء من الريبة وعدم الثقة صار المراسلون الأجانب فريسة للتشهير والهجوم والإجراءات القانونية والحبس، وشهدنا أمثلة لم نكن نتوقع رؤيتها لجموع غاضبة تهاجم الصحفيين الأجانب في قلب القاهرة، وهو ما لا يمكن قبوله تحت أي ظرف، كما أن الهجوم على الأجانب هو من السمات الدخيلة بامتياز على الطبع المصري. لا أحبذ رسم صور نمطية للناس تبعــًا لقومياتهم، إلا أني أعتقد أن الكثيرون سيتفقون معي في أن الأجانب قد عشقوا مصر أساســًا لطيبة أهلها وحسن ضيافتهم. إلا أن المزايدات الأخيرة تهدد بتدمير تلك الصورة النمطية عن مصر.

الكثير مما يحدث في مصر الآن يصعب شرحه بشكل منطقي. فليس من المنطقي أن تتورط في معركة مع المراسلين الأجانب في وقت أنت بحاجة إلى وجود السائحين الأجانب، وتلك ليست سوى أحجية واحدة من ضمن الكثير من الألغاز العاصية على فهم المتابع الغربي، والتي من ضمنها أيضــًا فهم موقف النخبة المصرية تجاه التطورات السياسية الأخيرة – تلك النخبة التي تغلب عليها صفة العلمانية والتي تصف نفسها بالليبرالية.

باستثناءات قليلة جدًا، قدمت تلك الطبقة المجتمعية فروض الدعم اللامحدود للسلطات في "الحرب ضد الإرهاب". معارضة الإرهاب يجب أن تكون المظلة التي يتحد تحتها الديمقراطيون كافة، إلا أن الإحباط يسود وقت نرى الكثيرون يغضون الطرف أمام عدم احترام الإجراءات اللازم إتباعها وغياب التوازن ومساءلة الدولة على ما تتخذه من إجراءات وانتهاكات حقوق الإنسان.

"الإسلامي الطيب هو الإسلامي الميت". اقشعر بدني عندما قرأت تلك الرسالة على موقع فيسبوك لقيادي شاب بأحد الأحزاب العلمانية. وقبل ذلك بأيام قلائل كتب عضو بارز في نفس المجموعة ما يلي: "سنحارب بكل ما أوتينا، وسنقبض على أكبر عدد نستطيع الوصول إليه وسنقتل أيضًا مثلهم إن احتجنا. ولكن رجاءًا لا تحدثونا عن الدمج والمصالحة! لا تحدثونا عن حقوق الإنسان وتقارير منظمة العفو الدولية، لأننا وبصراحة لا نهتم البتة."

مثل تلك الكلمات تعكس أيضـًا الانفصال بين قطاع هام من المجتمع المصري وحلفاءهم الغربيين التقليديين. لم أستشعر حياتي تنافرًا بين الطرفين أقوى من هذه الأيام. لا أعتقد أن من بين الخيارات أن ندير ظهورنا ونتوقف عن التواصل والتعاون، لا بديل لدينا سوى الحوار، وهو ما يستوجب فهم الآخر كشرط أساسي.
في سعيي لفهم ما الذي يجري في أذهان وأفئدة الكثير من المصريين الذين تباعدت عن بعد الثلاثين من يونيو، وقع بصري على تفسير الصحفي اللبناني رامي خوري والذي كتب بعد زيارته لمصر في يناير: "ما نراه هذه الأيام في مصر لا يمكن تحليله باستخدام المعايير السياسية، بل يستوجب منا اللجوء لأدوات علماء الأنثروبولوجيا. لا أجد فيما يحدث هنا أي فكر سياسي، انها علوم الأحياء تدير الأحداث وبشكل رئيسي الحاجة الأنثروبولوجية لعشرات الملايين من المصريين للمضي قدمــًا في حياتهم ومنع انهيار مجتمعهم الذي ظل متماسكـًا لأكثر من خمسة آلاف عام متواصلة." ويستمر خوري في مقاله قائلاً بأن المناخ العام في مصر "قد ظللته حاجة القطيع للوقاية الذاتية". ذكرني هذا المقال بآخر كتبه مصري مبررًا الاستبعاد القسري لقوى الإسلام السياسي باعتباره مسألة بقاء وحماية لهوية مصر. هذا المنظور يميل لإنكار مصرية قوى الإسلام السياسي والعديد من الضحايا، ويفتح الباب أم سلوكيات بعيدة تمامـًا عن الليبرالية، بل وتتسم بالشمولية ان جاز لنا القول.

قد يكون المنهج الأنثروبولوجي مغريـًا، إلا أنه قد يقود إلى نتائج عنصرية. كما أنه قد يأخذنا بعيدًا عن جذور التدهور السياسي والمجتمعي المصري: فكما هو الحال في المجتمعات المتأخرة الأخرى، لا تقرر الجموع البائسة المحرومة من حقوقها مسارات الرأي العام. فمصر اليوم تخلو تمامـًا من الإعلام الديمقراطي المسئوول – اللهم إلا استثناءات قليلة جدًا. وفي بيئة إعلامية شبه شمولية (بميول أورويلية هنا وهناك) صار الرأي العام انعاكاسـًا للآراء التي يتم الترويج لها. ومما يثير فزعي أن أرى الكثير من المصريين يصدقون ما يخبرهم إياه أولئك المسيطرون على وسائل الإعلام من بلبلات.

ويبدو أن من وقفوا في طليعة الثورة في بدايات 2011 قد صاروا هدفـًا رئيسيًا لحملة تشويه ومغالطات ممنهجة، ففي مقال محبط في صحيفة نيويورك تايمز تحسر الروائي المصري علاء الأسواني على "التحول المأساوي في مجرى الأحداث" بالإضافة إلى "الحملة الإعلامية الممنهجة في التليفزيون الحكومي والقنوات الخاصة المملوكة لرجال أعمال اعتادوا دعم نظام مبارك" بهدف تكوين صورة زائفة مفادها أن ثورة يناير 2011 ماهي إلا "مؤامرة دبرتها وكالات الإستخبارات الأمريكية" التي تعاونت مع شباب الثوار من "الخونة والعملاء المأجورين من الغرب".

ومما يزيد الأمور سوءًا أننا لم نعد نسمع سوى أصوات مصرية قليلة تعلن تضامنها مع ضحايا التشهير، بعد أن هُمشت معظمه تلك الأصوات سياسيــًا، أو جـُرِّمت وأسكتت. معظم ما يكتب تلك الأيام عن مصر ينتهي بإشارة إلى الشباب والأمل المستمر في تحسن الأمور حال تمكن الشباب وكان لهم القول في يوم من الأيام. في مقاله "يأس مصر وأملها" اتبع علاء الأسواني الخط ذاته. إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا مع الأسف. تحرك مصر للأمام لن يتأتى بالتطور البيولوجي الطبيعي مع وفاة النخبة المسنة الفاسدة، فبلد مثل مصر لن يتحسن حالها إلا بثورة حقيقية تبدأ في عقول وأدمغة الشعب. ثورة في التعليم، حتى الغبي يستطيع أن يفهم ذلك. مالم تبدأ التغيرات الجذرية من هنا، فستستمر جموع المصريين في التحرك بشكل "أنثروبولوجي" يزيد من الهوة بينهم وبين مبادئ الديمقراطية – ناهيكم عن الليبرالية الحقة.


هذه المقالة نشرت بصحيفة الديلي نيوز المصرية بتاريخ 9 فبراير 2014

* الدكتور رونالد مايناردوس المدير الإقليمي لمؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، القاهرة.

Twitter @Meinardus

الرجوع للأعلى
 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر