المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
المنافسة


تشكل المنافسة بوصفها مبدأ أساسي محرك للتطور والاكتشاف جزء من طبيعة الخلائق: بداية من الفراشات التي تتنافس على أفضل نقطة تصل إليها الشمس وحتى الأشخاص الذين يتنافسون من أجل الحصول على جائزة بوليتزر أو الميداليات الأوليمبية. ونتيجة للموارد المحدودة عادة ما تمكن المنافسة في النظم المفتوحة من الاستفادة القصوى من عمليات التجربة والخطأ الرامية إلى الوصول إلى أمثل الطرق أمام تطور الأنواع. وفي اقتصاد السوق تزيد المنافسة على الأسواق المفتوحة التي تؤمنها الأطر القانونية والمؤسسية من فرص اكتشاف موارد متجددة واستغلالها حسب تكلفتها، فعلى سبيل المثال تساعد المنافسة على تعزيز أفضل النظم التعليمية كما تنشر دستور الحرية.

الخوف من المنافسة

المنافسة ليست لعبة لإحراز النقاط حيث يكسب فيها المرء ما يخسره الآخر (مونتاني، المقال 21)، فقد بينت التجربة أن الجميع مستفيد.  الحياة عبارة عن تدفق مستمر يؤدي كل تغيير فيه إلى تنافس على حلول جديدة. لذا يتطلب التغيير والمنافسة عمليات صعبة للتكيف، ومن هنا يأتي الخوف.  غير أن نظرة عن كثب توضح أن الخوف من المنافسة الناتج عن التغير السريع ما هو إلا خوف من هذا التغيير ذاته. عادة ما يستغل هذا الخوف معارضي العولمة الذين يحملون المنافسة مسؤولية مشكلات الناس ومخاوفهم. عادة ما ينادون بالحرص على الرغم من أنها المنافسة التي تساعد الناس على التكيف مع التغيير الذي لا يمكن وقفه.  وقد رأى معظم الناس بيئة عملهم تتغير تغيراً جذرياً نتيجة للتقدم التقني الذي تدفعه الثورة المستمرة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ففي مثل هذا العالم سريع التغيير تتطلب الصلة المتنامية بين التعليم وفرص العمل ضرورة استمرار الأشخاص في التعلم. ففي حين تتاح الوظائف الجديدة بشكل رئيسي في قطاع الخدمات يواجه باقي الاقتصاد على الرغم  من الوظائف الجديدة التي تتاح خسارة كاملة من الوظائف نتيجة جمود سوق العمالة.  فالتعليم والتدريب والعمل يشكلون الجزء الأكبر من حياة الناس، لذا فإنه ليس من المثير للدهشة أن يخلق التغيير الجذري في المتطلبات التعليمية والمهنية خوفاً من المنافسة. 

ولكن تقييد المنافسة لن يحقق الأمن المطلوب.  ففي بيئة تنافسية عندما يقع الأشخاص تحت ضغط التكيف مع التغيير يمكن لاقتصاد السوق مد يد العون، لأنه قائم على أساس الحرية والمسؤولية والتضامن. فمن يرفضون المنافسة بوصفها جزء من الحل لمشاكل العولمة بل يحملونها مسؤولية المشكلات عادة ما يتناسون هذا الأمر: ففي حين تغير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة عالم العمل تغييراً جذرياً، فإن مشكلات التكيف في الواقع يتسبب فيها ضم  الدول النامية الناجحة بل وضم الدول الاشتراكية (بداية من التسعينيات من القرن العشرين) إلى سوق العمل العالمي. 

بالإضافة إلى ذلك يتعين أخذ مشكلات التكيف هذه ومخاوف الناس على محمل الجد. الأمر الذي يعني أنه بالإضافة إلى السياسة المتسقة المبنية على التوسع في فرص التوظيف وإصلاح النظم الاجتماعية يجب أن نخلق وعياً بالوجه الاجتماعي للمنافسة.  ففي حين يتغير إيقاع التغيير تزداد الحاجة المشروعة إلى التأمين والضمان بالإضافة إلى الاتجاه نحو حماية الأصول على حساب الآخرين. يتوقع الناس تأميناً أكبر قدراً عندما تتم حمايتهم من المنافسة.

المنافسة بوصفها عملية اكتشاف

"المنافسة بوصفها إجراء استكشافي" – هكذا لخص فريدريش أوجست فون هايك الجانب الاجتماعي من المنافسة.  المستقبل مجهول والموارد محدودة.  فقط في ظل نظام تنافسي حيث تخصص الموارد النادرة بشكل اقتصادي يمكننا إجراء أكبر قدر ممكن من التجارب في سعينا من أجل اكتشاف شيء جديد تماماً.  فعلى سبيل المثال عند مقارنة أي من الميادين الكبيرة في وقتنا الحالي بنفس المكان منذ قرن مضى من الزمان، نحصل على فكرة عن المنتجات الجديدة ووسائل المواصلات ونظم الاتصالات التي تم اكتشافها من خلال إبداع العديد من الأشخاص الذين يعيشون في ظل نظم تنافسيه وسعيهم الدءوب من أجل تحقيق إبداعاتهم. لم يكن بإمكان أي مسئول عن التخطيط المركزي تصميم هذه التغييرات،  بل وحتى تنسيق كل هذا التخطيط اللامركزي والاكتشافات التي قام بها المواطنون.

المنافسة بوصفها "تدمير إبداعي"

يعني اكتشاف أو ابتكار السلع الجديدة أو طرق الإنتاج الجديدة أو مزايا بعض الأماكن ونظم المعلومات أن السلع التنافسية وتكنولوجيا الإنتاج والوظائف والأماكن تخضع في الأصل إلى ضغوط التكيف للبيئة المتغيرة؛ مثل النساجون (في مسرحية جيرهارت هاوبتمان بعنوان النساجون) الذين يصبحون معدمون عند طرح الأنوال المميكنة. 

وقد كان التدمير الإبداعي التعبير الذي استخدمه شومبيتر لوصف هذا الجانب من المنافسة، التي تخلق الفرص الاجتماعية ولكنها تسبب في مشكلات اجتماعية حين يتوصل الرواد إلى اكتشافات جديدة ويوردون سلع متميزة، وحين تتوسع الأسواق من جانب المقلدون الأكفاء بغرض توفير الرفاه للجميع.

المنافسة والحرية

مع وجود العديد من الموردين في اقتصاد السوق يتعين تصميم المنافسة بحيث تضم حوافز تشحذ القوة الخلاقة لدى المواطنين الأحرار بحيث لا تسحقهم المنافسة الضارية التي لا تضمن النجاح. فالإنتاج يسبق التوزيع – والمسألة هنا هي هل يستفيد الجميع من أرباح الأفراد حيث يتسبب تدفق المنافسين المستمر إلى الأسواق المفتوحة في خفض الأسعار وتحسين الجودة، أم هل تستفيد الحكومة أكثر بوصفها أكبر جهة للتوزيع  من خلال فرض ضرائب الدخل على شباب أصحاب الأعمال والعمال؟

لذا يتعين ضمان الأساسيات التالية في ظل نظام تنافسي للمواطنين:

  • حرية الوصول إلى الأسواق المفتوحة
  • المنافسة بوصفها قيداً على السلطة
  • تدفق مستقر للنقد لضمان التخطيط الآمن
  • أسعار تتناسب والندرة النسبية
  • ضمان حقوق ملكية خاصة آمنة
  • المساءلة ("الحرية في ظل المسؤولية")
  • سياسات اقتصادية مستدامة

    تلك هي "المبادئ المكونة" لاقتصاد السوق بوصفه نظاماً تنافسياً ودستور لليبرالية.  فاليوم يمكن لأسواق العمل المرنة المساعدة في تحقيق هذه المبادئ وتوفير شبكة أمان اجتماعية أكثر فعالية.  فإذا ما تم توجيه الدعم بشكل مناسب سوف تسهل مساعدة الأفراد على التكيف مع التغيير الهيكلي.  ومن أجل نجاح عمل المنافسة بناء على أسعار السوق يتعين فصل التحولات الاجتماعية عن السوق.  حيث تطلب السياسة الاجتماعية الجيدة بطاقات أسعار ومنافسة إذا كان لها أن تنتج خدمات اجتماعية يعتمد عليها والدعم الاجتماعي المرجو لمن هم في حاجة إليه. وفقا للفكر الفيدرالي،  كل مواطن يمكن أن يكون مسئولا عن جميع الأمور التي يمكنه التصرف فيها بمفرده أو بالتعاون مع الآخرين وهو بذلك لابد أن يستند إلي المنافسة، أي المنافسة السياسية للتوصل إلى حلول أفضل بأقل تكلفة تأتي من الضرائب.

  •  
    القائمة الرئيسية
     
    www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر