المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
الإرهاب والأيدولوجية السياسية – المقابل المعاكس لليبرالية

بقلم رونالد مايناردوس


عند تعريف أي مفهوم أو عنصر ما تعتبر إحدى الأساليب الفعالة في تحديد معالمه وصف المقابل المعاكس له بالضبط، أوضده.  وفي حالة تعريف الإرهاب بوصفه إيديولوجية سياسية تعد الليبرالية الضد التام للإرهاب،  بل ويمكن أن يساعدنا تحديد مبادئ الليبرالية على فهم تبعات الأيديولوجية السياسية له.

وعلى الرغم من تعدد مبادئ الليبرالية يمكن تحديدها بشكل واضح، حيث تتمثل هذه المبادئ في حرية الفرد، وحقوق الإنسان والفرص المتساوية، وسيادة القانون، والديمقراطية، وحماية الأقليات، علاوة على اقتصاد السوق الحر، واحترام الملكية الخاصة.  وقد تتنوع طرق تناول تلك المبادئ، ولكن ما سبق ذكره منها يشكل بصفة عامة أساس النظم الديمقراطية الليبرالية القائمة حول العالم في الوقت الحالي.  ويرفض الإرهابيون باختلاف طوائفهم هذه المبادئ.  لذا يسهُل تعريف الإرهاب بوصفه إيديولوجية سياسية بمجرد سرد قائمة تلك المبادئ الليبرالية. عادة ما تخفق المحافل الدولية والديبلوماسيون في التوصل إلى تعريف مشترك بشأن الإرهاب، غير إن السبب الرئيس الذي يكمن وراء هذا الإخفاق يتمثل في السؤال التالي: هل يتعين تطبيق التعريف على المنظمات فحسب، أم يمكن أن يمتد ليشمل الدول ذات السيادة أيضاً؟

من بين المشكلات التي تواجه العثور على تعريف للإيديولوجية السياسية للإرهاب تلك التي تكمن في التفسيرات المتباينة لمفهوم الإيديولوجية السياسية في حد ذاته.  حيث تستند تلك الإيديولوجيات بشدة إلى السياق السياسي والتاريخي بل وحتى القومي.  ففي ألمانيا على سبيل المثال ونتيجة للظروف التاريخية الخاصة التي مرت بها  اكتسبت فكرة الإيديولجية مدلولات سلبية، بل وعادة ما تقترن بالتزمت العقائدي. ولكن بشكل عام تعتبر الإيديولوجية مجموعة منظمة من الأفكار أو بصفة أشمل تعد "أسلوب لرؤية الأشياء والأمور."  ما من شك أن للإرهاب إيديولوجية، على الرغم من أنها، بين عدة صفات أخرى يتسم الإرهاب بها، قد شهدت تطوراً عبر الزمن.

وفي الخطاب الذي ألقاه الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان أمام القمة الدولية عن "الديمقراطية والإرهاب والأمن" في 10 مارس 2005 بمدينة مدريد بأسبانيا نجد تعريفاً للإرهاب يجمع هذا التوصيف العام للإيديولوجية السياسية مع منظور شامل وعام لأهداف الإرهابيين، فيقول كوفي عنان: "ينطوي أي فعل على الإرهاب عندما يتسبب عن عمد في الموت أو الضرر الجسدي الجسيم للمدنيين وغير المسلحين، وذلك بهدف تخويف شعب أو إجبار حكومة أو منظمة دولية من أجل القيام بفعل ما أو الامتناع عن هذا الفعل."

وفقاً لهذا التعريف دائماً ينطوي الإرهاب على (نية التحريض على) عمل عنيف أو مجموعة من الأعمال (عادة من جانب أطراف لا تنتمي للدولة) من أجل الترويج لهدف سياسي.  لذا من خلال هذا التعريف تعتبر القوة الإرهابية من منظور القوة والسلطة الفعلية دائماً في وضع دوني، ودائماً ما تتفوق عليها الدولة التي تستهدفها.  ولكن من الناحية الأخرى تتمثل إحدى الميزات الاستراتيجية للإرهابيين في عملهم السري مع هجومهم المفاجئ.

تركز استراتيجية الإرهاب في جوهرها على خلق أثر ومترتبات نفسية. لا يسعى الإرهابيون إلى الحصول على أرض بل يهدفون إلى إصابة الأفراد أو المجموعات بالصدمة والترويع.  عادة ما يستهدفون عناصر ذات قيمة رمزية عالية من أجل إلحاق المهانة بخصومهم. وبشكل تقليدي لا يهتم الإرهابيون بالضحايا الأبرياء، بل على العكس يعتبر الهجوم على الأبرياء وقتلهم من التحركات التكتيكية التي يتبعونها لغرس الخوف والألم في النفوس وترويع البشر.

أصبحت مواجهة الإرهاب القضية ذات الأولوية بالنسبة للعديد من الدول، بل وهيمنت على العلاقات الدولية في السنوات الماضية.  ويعتبر هذا في حد ذاته من الأمور التي يمكن أن تسمى نجاحاً ساحقاً للحملات الإرهابية.  اجتمعت الحكومات من جميع أنحاء العالم في العديد من المناسبات من أجل مناقشة ردود الأفعال المتضافرة لهذا التحدي.  وأثناء النقاش السابق ذكره الذي دار في مدريد في مارس 2005 توصل القادة إلى استراتيجية تتكون من خمس نقاط، وهي كالتالي: إقناع الجماعات المحبطة بالابتعاد عن اختيار الإرهاب من أجل تحقيق أهدافها، قطع السبل على الإرهابيين التي تمكنهم من تنفيذ هجماتهم، ردع الدول التي تدعم الإرهابيين، تطوير قدرات الدول على منع الإرهاب، الدفاع عن حقوق الإنسان على طريق الكفاح ضد الإرهاب.

وقد نشأ إجماع موسع بشكل عام بشأن أهمية تلك العناصر.  غير إن الخلافات الكبيرة ظهرت وخصوصاً في النصف الغربي من الكرة الأرضية بشأن النقطة الأخيرة المتعلقة بحقوق الإنسان.

من وجهة النظر الليبرالية لا يجب أبداً أن نضحي بحقوق الإنسان أونتعدى عليها، إذ أننا إن فعلنا هذا فسوف نصنع النصر للإرهابيين وأعداء الحرية.  وعلى هذه الخلفية لا يمكن لليبراليين قبول ما تستمر الإدارة الأمريكية في السماح به في خليج جوانتنامو حيث يتم احتجاز المشتبه بهم سواء أكانوا مجرمي حرب أو من يُدعون بمجرمي الحرب دون تقديم تفسير مقبول لمدى تورطهم بأعمال إجرامية.

وأخيراً عند مقابلة منظور العديد من الأوروبيين وحكوماتهم سوف نجد أن الإدارة الأمريكية ترى الحرب على الإرهاب في الأساس مشكلة عسكرية تتطلب التوصل إلى حلول عسكرية.  وفي هذا السياق كانت الحرب على الإرهاب بل وتستمر أداة يتم استخدامها لتفسير (بل وسبغ الشرعية) على غزو أفغانستان والعراق.  ينظر العديد من الأوروبيين إلى الأمر بطريقة مختلفة، بل ولا يرون الإرهاب في الأساس بصفته تهديد عسكري يمكن التغلب عليه بالقوة العسكرية.  ترصد الوكالات الأمنية الأوروبية هذا التوجه الزائد نحو التشدد الذاتي والتجنيد الذاتي للعديد من العناصر المتمردة المسلمة الشابة، التي يعيش العديد من أفرادها بالفعل في قبل المجتمعات الأوروبية (ولكن في الوقت ذاته على هوامشها).  يؤكد الخبراء بشكل سطحي وغير مدروس أن هذا التشدد ينبع من دافع الدين.  ولكن مصادر هذا التطرف بين المسلمين تكمن في العزلة الاجتماعية والسياسية والإحساس بالاستبعاد من المجتمع، وتنبع من البطالة.  لذا تتطلب المعركة ضد الإرهاب في هذا السياق أكثر من مجرد القوة العسكرية،  لأن هذه المعركة تعني الانتصار للمبادئ الليبرالية الأخرى مثل تكافؤ الفرص وخلق الوظائف الجديدة من خلال اقتصاد السوق الحر وحماية الأقليات.

يمكن مواجهة الإرهاب بصفته أيديولوجية سياسية والمقابل المعاكس لليبرالية بصورة مثلى عندما تُحيّ النظم الديمقراطية الليبرالية مبادئ الليبرالية. فإذ يعرّف الإرهابيون أنفسهم بعدائهم للمبادئ التي يكرهونها، يتعين على الليبراليين محاربتهم بتبني ذات المبادئ التي لا يمكن لهم التنازل عنها.

* الدكتور رونالد مايناردوس، المدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا لمؤسسة فريدريش ناومان للحرية، القاهرة

Ronald.Meinardus@fnst.org

 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر