المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
تدريب الصحفيين على استخدام الحرية ولكن بمسئولية
تعليق على مشروعات مؤسسة فريدريش ناومان

بقلم رونالد مايناردوس

المدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالقاهرة

المصدر : مجلة الفن الإذاعي ، تصدر عن إتحاد الإذاعة والتليفزيون
عدد إبريل 2010 صفحات 13 الى 16

يتذكر القليل من الناس اليوم أن مؤسسة فريدريش ناومان بدأت مشروعاتها الدولية في العالم العربي. فكان مشروعنا الأول خارج ألمانيا الذي طرح في تونس سنة 1964 حيث بدأنا شراكة مع المركز الإفريقي لتدريب الصحفيين. ومن المثير للاهتمام أنه بعد مرور قرابة 45 عام لا زلنا نتعاون مع هذه المؤسسة العريقة التي تعكف على تدريب الصحفيين في تونس وفي العديد من دول المنطقة.

ومنذ ذلك الحين شكلت برامج التدريب للعاملين في مجال الإعلام جزءاً هاماً من العمل الدولي للمؤسسة. ويشرف المقر الرئيس لمؤسستنا في بوتسدام بألمانيا على مشروعات في أكثر من 50 دولة حول العالم، في آسيا وأوروبا الشرقية والأمريكيتين وبالطبع في العالم العربي.

وبصفتنا مؤسسة ليبرالية نهدف إلى تعزيز القيم والمبادئ الليبرالية. ومن المبادئ التي تحتل مركز الصدارة لدينا فكرة الحرية الفردية التي لا بد من تزاوجها وفقاً للمنظور الليبرالي مع المسئولية تجاه المجتمع. وفي الوقت ذاته تعتبر المؤسسة منظمة معنية بالتثقيف. فنحن نعزز وندعم ما يعرف باسم "التعليم المدني". ويغطي التعليم المدني هذا مجالات تعتبر ذات أهمية بالنسبة للمواطن حيث تساعده على المشاركة الفعالة في المجتمع وبطبيعة الحال في السياسة. فالعالم الذي نعيش فيه أصبح أكثر تعقيداً وأصعب في فهمه. لذا من المهم أن يحصل المواطنين على فرص في إدراك هذه الصعوبات الشائكة. وباختصار يعتبر التعليم المدني شرطاً أساسياً للمشاركة الفاعلة من جانب المواطن في الشأن العام. وهذه هي الفكرة الأساسية التي تتمحور حولها مؤسسة فريدريش ناومان.

وبشكل أو بآخر يتشابه التعليم المدني والصحافة في الوظيفة الاجتماعية. حيث يهدف كلاهما إلى إعلام الناس بشأن الأمور العامة بما يمكنهم أو يمنحهم المقدرة على إصدار أحكام عقلانية ومن اتخاذ القرار، وفي النظم الديمقراطية يلعب الإعلام دور "السلطة الرابعة" التي تفرض رقابتها على أولئك الذين يشغلون مناصب بالسلطة.

وفي مصر أيضاً ساهم الإعلام في إحداث المزيد من الشفافية في الشأن العام. ويقول من ينتقدون التغيير الدرامي في الإعلام المصري أن العديد من المطبوعات التي ترى النور يفتقرون الإحساس بالمسئولية وهم من المدعين، بل ويهينون الآخرين في بعض الأحيان. من منظور ليبرالي لا يمكن أن تكون الإجابة على مثل هذا التحدي أن يعود المرء بعقارب الزمن إلى الوراء بهدف حبس حرية التعبير. فإن الإجابة الليبرالية تتمثل في تدريب وتثقيف الصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي والاستثمار فيهم بحيث يتعلمون استخدام الحرية التي ائتمنوا عليها بمسئولية.

الإعلام القوي والصحفيون المدربون تدريباً جيداً (والمتحلون بالمسئولية) من المكونات الهامة للمجتمع الحديث الليبرالي. وهذا ما يفسر من البداية دعم مؤسسة فريدريش ناومان لبرامج تدريب الإعلاميين في ألمانيا وفي العديد من الدول خارجها. فطوال الوقت شكل الصحفيون والعاملون في مجال الإعلام مجموعة مستهدفة هامة. فعلى الرغم من عملنا تقليدياً مع الصحفيين والمذيعين بالإذاعة والتليفزيون، بدأنا نتجه مؤخراً نحو تطوير برامج عديدة ناجحة تستهدف من يعرفون باسم الصحفيين المواطنين (أو المدونين)، وسوف أعود إلي ذلك في وقت لاحق.

وعلى الرغم من بدء المؤسسة عملها في تونس أصبحت مصر على مدار السنوات الماضية أهم دولة بالمنطقة بالنسبة لنا. فالمؤسسة تعمل بمصر منذ ما يزيد على 35 سنة. واليوم تستضيف القاهرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومن هذا المكتب يتم تنسيق وتخطيط كافة مشروعاتنا.

ويمكن القول بأن البيئة السياسية التي نعمل بها بيئة ديناميكية للغاية. فعلى مدار العقود الماضية شهدت مصر العديد من التغييرات. ومن منظور تاريخي، يعتبر النضج الذي شهده المجتمع المدني من أهم التغييرات بالمجتمع المصري. حيث ظهرت الآلاف من المنظمات غير الحكومية على مدار السنوات الماضية والعديد من هذه الجماعات ملأت الفراغات التي كانت تشغلها الدولة أو المؤسسات الحكومية بالماضي.

وبصفتنا مؤسسة ليبرالية نرحب بهذا التطور. حيث يعتبر المجتمع المدني القوي من المكونات الهامة لمجتمع ديمقراطي حديث. وعلى الرغم من أن المؤسسة عملت في البداية بشكل حصري مع شركاء حكوميين في مصر، فإننا اليوم نعمل مع أطراف متنوعة، حيث تدعم المؤسسة تدريب أعضاء الأحزاب السياسية وجماعات المجتمع المدني ورجال الأعمال.

وفي الوقت ذاته، نستمر في تعاوننا مع الشركاء الحكوميين ونحن نفخر بشراكتنا مع المجلس القومي للشباب حيث تهدف هذه البرامج التدريبية إلى جعل الشباب المصريين من جميع أنحاء البلاد على دراية بالشئون السياسية وأطراف فاعلة في مجال السياسة. كما أننا نفخر بنفس القدر بتعاوننا المتميز مع معهد الإذاعة والتليفزيون التابع لاتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري، إذ ترجع هذه الشراكة إلى العديد من السنوات حيث تدرب المئات من العاملين في اتحاد الإذاعة والتليفزيون من خلال الدورات التدريبية التي تمت تحت رعاية المؤسسة على مدار السنوات الماضية. وكل مرة أزور الاتحاد في مبناه العريق بوسط المدينة بالقاهرة أشعر بالسعادة لمقابلتي أناس حضروا هذه التدريبات، والأهم من هذا كله أن العديد ممن حضروا هذه التدريبات تقلدوا مناصباً في هذا الجهاز.

وفي تطور حديث، أضفنا بعداً أو مكوناً جديداً لتعاوننا مع اتحاد الإذاعة والتليفزيون. حيث تتم معظم الدورات التدريبية التي نشارك في رعايتها من خلال تنظيم مشترك مع أكاديمية الدويتشه فيلا – وهي المعهد التدريبي لهيئة الإذاعة الألمانية الدولية. ونشترك مع أصدقائنا من اتحاد الإذاعة والتليفزيون في اقتناعنا بأن هذه هي التوليفة المثالية، فهي تضمن أن التدريب يتم تحت إدارة متخصصين على دراية بأحدث التقنيات والمهارات الإعلامية في المجال. وقد عملنا جاهدين من أجل انتقاء الموضوعات الخاصة بالدورات التدريبية التي نعتبرها ذات أهمية قصوى بالنسبة لمستقبل مصر. ومن بين تلك الموضوعات البيئة واستهلاك الطاقة وترشيدها والمصادر البديلة للطاقة وجودة مياه نهر النيل وغير هذا من الموضوعات.

ومن أهم التوجهات التي شهدتها السنوات الأخيرة، هذه الشعبية المتزايدة والأثر المتحقق على يد ما يعرف باسم صحافة المواطنين. فمع انتشار استخدام الإنترنت والعديد من الأدوات الجديدة التي توفرها التقنية الرقمية، يمكن بشكل عام لأي شخص لديه جهاز كمبيوتر واتصال بشبكة الإنترنت أن يصبح صحفياً أو ناشراً. وعلى الرغم من أن هذا دون شك إنجاز تكنولوجي وخطوة غير مسبوقة نحو حرية التعبير، فإن الصحفيين المواطنين شأنهم شأن الصحفيين التقليديين لا بد أن يستندوا فيما يقدمونه من عمل إلى المعرفة وأن يعملوا بمسئولية. وعلى هذه الخلفية تقدم المؤسسة تدريباتها إلى المدونين في أنحاء مختلفة من العالم. وفي حين يكتب العديد من المستفيدين من برامجنا التدريبية في المجالات السياسية والاجتماعية، يفضل البعض استخدام ما ينشرونه على الإنترنت لأغراض شخصية. وقد طورنا برامج مشابهة في العالم العربي كما دعمنا برامج تدريبية للمدونين في مصر. ونعتزم أن نستمر في تقديم هذه البرامج في المستقبل.

لا يشهد أي قطاع آخر تغييراً بمثل السرعة التي نراها في قطاع الإعلام. فالعديد من التغييرات التي تحدث في هذا المجال كان لها وتستمر في إحداث أثر عظيم على المجتمعات التي نعيش فيها. لذا من المهم أن نفهم هذه الوسائل الجديدة وأن نؤثر على استخدامها بطريقة إيجابية. وبصفتنا مؤسسة ليبرالية معنية بالتعليم نؤمن بأن التدريب والتعليم والتثقيف المقدم للأفراد بشأن طرق استخدام وسائل الإعلام الجديدة والعمل على رفع كفاءتهم هو الحل الوحيد لهذا التحدي ونحن نعمل مع شركائنا من أجل تحقيق هذا الهدف في ألمانيا وحول العالم وبالطبع في مصر.

* د. رونالد ميناردوس المدير الإقليمي لمؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية في القاهرة. قبل تقلده منصبه بالقاهرة في نهاية سنة 2006، عمل د. ميناردوس بالمؤسسة في اليونان وكوريا الجنوبية والفلبين. وبصفته صحفي، تقلد د. ميناردوس العديد من المناصب العليا في إذاعة الدويتشه فيلا قبل انضمامه إلى المؤسسة.

 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر