المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
الحرية


"من يطلب من الحرية أكثر من الحرية ذاتها ولد لكي يكون عبداً."
لا يوجد تعبيراً أبلغ من هذا الاقتباس من المفكر أليكسيس دي توكفيل عن الفكر الليبرالي، وهو الفكر الذي يرجع تاريخه إلى سنة 1856.

الناس أحرار حينما لا تعوق تصرفاتهم عقبات يضعها الآخرون في طريقهم. غير أن هذا النوع من الحرية مطلوب وله ما يبرره أخلاقيا ً فقط في حالة امتناعه عن تدمير المبدأ في حد ذاته. يعتقد الليبراليون أن حرية التصرف تنتهي عندما تلجأ هذه الحرية إلى القوة والقسر من أجل تقويض نفس الحرية ذاتها التي يتمتع بها الآخرون. بمعنى آخر نحن بحاجة إلى تعريف أكثر دقة لنطاق الحرية التي تحق لكل مواطن، الأمر الذي يعني ربط حدود الحرية بالحق في الملكية. فالحرية لها أساس عندما يمارسها الفرد في ظل مجال شرعي. لذا لا بد أن تسري قاعدة عامة قائلة بأنه لا يحق لأي فرد التصرف في شؤون أي فرد آخر وملكيته إلا إن تم منح هذا الحق في التصرف بشكل طوعي. وحسبما يقول الفيلسوف الإنجليزي والأب الأصلي للفكر الليبرالي جون لوك، تنشأ الحرية من الملكية (رسالتين حول الحكم، 1690 – Two Treatises on Government). ولا تعد هذه فردية تملكيه كما يعتقد بعض النقاد، بل هي في الواقع مسألة تتعلق بتعريف مجال تحرك الفرد. وما يعنيه لوك هنا بشأن الملكية يتلخص بشكل ممتاز في الاصطلاح الأمريكي "ملكية الذات."

وما زلنا نبعد تمام البعد عن وضع مثاليات الفكر الليبرالي المتعلقة بالحرية موضع التنفيذ والممارسة. فعلى الرغم من التقدم الذي أحررناه لا تزال النظم القمعية قائمة (التي عادة ما تدعمها الدولة)، وهي النظم التي تقتل وتجرح وتسجن وتسلب الأشخاص أو تحرمهم من حق تقرير المصير.

هل هناك أي مبرر من أجل تقويض الحرية؟ أليس من الحقيقي أن العديد من الأشخاص يشعرون بأنهم مهددون بدرجة كبيرة من جانب من يختلفون عنهم حتى إنهم يرغبون في استبعادهم بالقوة؟ ألا يعتقد الكثيرون بأنه من الصواب حماية الآخرين من إلحاق الضرر بأنفسهم (مثل استخدام المخدرات) حتى ولو كان هؤلاء الأشخاص يتصرفون وفقاً لرغبتهم الشخصية؟ ألا يرغب العديد من الأشخاص إرغام الآخرين على الشعور بالسعادة حسب نفس مفهومهم عن السعادة؟

من اليسير والمناسب جداً كما نعلم جميعاً إرضاء غرائزنا الدفينة بمعارضة الحرية، حتى ولو كانت النتائج كما هي العادة كارثية بشكل غير مقصود على المستوى الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي. فالحرية كما يتفهمها الليبراليون تضع الكثير من المطالبات الأخلاقية الصارمة على الفرد، لذا ليس من المدهش أن يرغب بعض الأشخاص من أصحاب النوايا الحسنة في خفض هذه المقاييس، كما أنهم يرغبون في إعادة تعريف مفهوم الحرية مع التخفيف من حدته.

لا يمكن لأي إنسان أن يرغمني على أن أكون سعيداً وفقاً لمنظوره عن رفاه الآخرين، لأنه من الممكن أن يسعى كل فرد لتحقيق سعادته بالطريقة التي يراها مناسبة طالما أنه لم يتعد على حرية الآخرين في السعي لتحقيق غاية مشابهة لغايته، بشكل يسمح بتحقيق وفاق مع حريات الآخرين في ظل إطار القانون العام الساري، أي أنه يتعين أن يمنح الآخرين نفس الحق الذي يتمتع به.

إيمانيويل كانط، 1794

في هذا السياق كثيراً ما يسمع المرء عن الحرية السياسية "الإيجابية"، مثل تقرير المصير المشترك الديمقراطي الأكبر أو حتى الحرية "المادية" ألا وهي الحرية الاجتماعية. عادة ما يمد هذا الشكل من أشكال الحرية من قبضته بشكل تعسفي ويحكمها على الأشخاص الآخرين وعلى ممتلكاتهم بشكل يتعارض مع المفهوم الليبرالي للحرية. بالإضافة إلى ذلك، كثيراً ما يكون مناصري هذا المفهوم المخفف عن الحرية شغوفين بتقسيم الحرية إلى حرية "جيدة" (مثل حرية التعبير) وحرية "سيئة" (أساساً الحرية الاقتصادية). غير أن الليبراليين عادة ما يعتقدون أن الحرية لا تقبل التقسيم.

"الحرية الاقتصادية ليست مضمونة دون الحرية السياسية في حين تجد الحرية السياسية أمنها فقط في ظل الحرية الاقتصادية."

يوجين ريختر 1894

يشمل مفهوم الحرية الحرية الاقتصادية التي لا يمكن لأي نوع من الحرية أن يوجد دونها. 

غير أن هذا لا يعني أن أنصار الحرية لا يكترثون برفاه إخوانهم من بني البشر، ذلك لأن التضامن والحرية لا ينفيان بعضهما البعض، بل إن التضامن الحق مستحيل تحقيقه دون حرية.  ولا يعتقد الليبراليون أنه من الخطأ السعي من أجل تحقيق الثراء والغنى المادي، ولكنهم يرفضون استخدام القوة والنهب والقسر من أجل تحقيق هذا الهدف.  وعلى العكس، تساعد الحرية في استئصال العقبات التي تواجه جمع الثروة، الأمر الذي تسبب على مدار التاريخ في استشراء الفقر والجوع، بل إن انتشار الثراء في القرن التاسع عشر لم يتحقق دون نهوض الحرية الاقتصادية.  وقد كان قهر الجوع قصة نجاح الحرية الحقيقية.  ففي الدول التي تسود الحرية فيها ترتفع معدلات متوسط العمر المتوقع ومستوى المعيشة عنها في الدول التي لا تتمتع بالحرية.

فلا يمكن لدولة أن تزدهر اقتصادياً ولا ثقافياً ولا فكرياً بدون الحرية.  فتبادل الأفكار الحر في بيئة تنافسية هو الأمر الوحيد الذي من شأنه إنتاج أشخاص مبدعين واثقين من أنفسهم قادرين على دفع العلوم والفنون إلى الأمام.

غير أنه في الواقع وعلى الرغم من التقدم الذي تم إحرازه لا تزال الحرية مدينة فاضلة غير مكتملة، فهي المدينة الفاضلة الوحيدة التي لا يحيا الفرد فيها تابعاً لرؤية للمجتمع، بل يشكل نقطة ارتكاز كافة المساعي الاجتماعية.

 
القائمة الرئيسية
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر