الدورات التدريبية


تقارير المشاركين المصريين في دورات الأكاديمية الدولية للقيادة 

 

الإتصال السياسي الإستراتيجي

اسـم المشارك :       إبراهيم نوار
تاريخ الـدورة :         1 - 8 فبراير 2009

التقـريـر:

الطريق من القاهرة إلى جومسباخ هو بحساب الزمن أقصر من الطريق إلى سوهاج أو شرم الشيخ. خمس ساعات تقريبا. أنت تغادر من مطار القاهرة في الصباح الباكر، تقضي أوقات الفجر وساعات الصباح الأولى على متن الطائرة فوق مياه البحر الأبيض المتوسط وجبال الألب الإيطالية حتى تصل إلى فرانكفورت مع بدء مواعيد العمل الرسمية. ومن هناك تنتقل بالطائرة إلى دوسلدورف ثم بالسيارة أو القطار إلى جومسباخ حيث الأكاديمية الدولية لإعداد القادة التي تقع على أحد التلال العالية في تلك المدينة الصغيرة الهادئة. ربما يقابلك مارتن أو أحد سائقي الحافلات الصغيرة المتعاقدين مع الأكاديمية لاستقبال الدارسين في المطار ونقلهم إلى مقر الأكاديمية، وربما تقابل أشخاصا آخرين، لكنك ستجد أنهم جميعا مثل مارتن، ودودون وعمليون، يساعدونك بعيونهم وتعبيرات وجوههم المرحبة وأيضا بكلماتهم وبأيديهم التي تسرع إلى التقاط حقائبك ورصها جيدا في خلفية الحافلة. طبعا ليس هناك وجود للبقشيش أو الإستجداء! إنس ذلك تماما واسترح من شبح المطاردة الذي قد يلاحقك بلا هوادة في أماكن أخرى!

في بهو الأكاديمية تستقبلك دينيس ورفيقاتها من العاملات في الإستقبال. تشعر بالدفء على الرغم من برودة الجو الفبرايري في شمال غرب ألمانيا. تحصل بسرعة على شراب دافئ ثم رقم الغرفة التي ستقيم فيها ومفتاحها ومعه مفتاح للبوابة الرئيسية للأكاديمية، فقد تسعى إلى قضاء قسط من الوقت في المساء داخل المدينة فلا تجد صعوبة في العودة بعد إغلاق أبواب الأكاديمية في الثامنة مساءا. في غرفتك تشعر بأنك قد عدت تلميذا من جديد! سرير مفرد صغير ومنضدة للكتابة ودولاب صغير به خزانة مؤمنة تحتفط فيها بأغراضك الثمينة. والغرفة عبارة عن شقة صغيرة جدا بها أيضا دورة مياه وحمام وهي تطل على غابة كبيرة ومزارع من خلال نافذتين واسعتين ومن ثم فإنها جيدة التهوية وأيضا جيدة التدفئة من خلال نظام للتدفئة المركزية يشمل مباني وقاعات الأكاديمية كافة.

بعد استراحة قصيرة يتجمع الدارسون الذين أتوا من كل بقاع الأرض. من الصين ومن روسيا ومن البرازيل ومن أوروبا الشرقية ومن أقطار عديدة من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. تلتقى الوجوه بابتسامات دافئة ممدودة إلى صداقة طويلة لا تقتصر فقط على مدة الدراسة. الذين جاءوا إلى جومسباخ هذه المرة للإنخراط في دورة "إستراتيجية الإتصال السياسي" ليسوا دارسين عاديين. إنهم أعضاء برلمانات في بلادهم أوقيادات أحزاب ومنظمات مجتمع مدني ومنهم أيضا وزراء سابقون ومستشارون سياسيون، معظمهم يمارس السياسة أو العمل العام منذ عقود. تلتقيك باسمة أيضا السيدة بريجيت لام مديرة الأكاديمية وإلى جانبها آرنو كيلر وولف بابست الذين سيقومان بإدارة المناقشات في الدورة وتقديم المادة العلمية للدراسين. حفل الاستقبال يفتح فرصا واسعة للتعارف ولتبادل المعلومات بين الدراسين وللتعرف على البلدان التي أتوا منها. إذا كنت سعيد الحظ مثلي فإنك قد تلتقي شخصيات مثيرة ومشوقة مثل راكيتا جايا المسؤول عن الإعلام والاتصال الجماهيري في الحزب الوطني المتحد في سريلانكا أو باتريشا بولريتش عضو البرلمان وزيرة العمل السابقة في الأرجنتين أو يونج تشن رئيسة رابطة أصحاب المساكن الخاصة في الصين أو سيف الدين إسماعيل عضو البرلمان الماليزي أو رافي بيازون عضو مجلس النواب الفلبيني أو سناء الله عضو البرلمان الباكستاني أو لودميلا المرشحة لعضوية البرلمان الأوروبي عن جمهورية سلوفاكيا أو نسرين شاهين رئيسة منظمة صوت واحد الفلسطينية أو نشوان التي تعد نفسها لعضوية البرلمان التركي ولوك الذي يعد نفسه لدور مهم في ميانمار و غيرهم من الأسماء اللامعة التي شاركت في دورة القيادات السياسية حول استراتيجيات الإتصال السياسي. كل منهم أضاف الكثير من الخبرة إلى المواد التي قدمها آرنو وولف وشاركوا جميعا في صنع مناخ إنساني وسياسي لمدة تزيد عن إسبوع من الصعب جدا نسيانه.

لقد تضمن برنامج الدورة الكثير من المعطيات التي لن تجدها في مراجع أكاديمية. وكان ارنو وأولف المحاضران اللذان توليا قيادة المناقشات مليئين بالحيوية والإبداع وأهم من ذلك بالرغبة في الإستماع إلى تجارب المشاركين والإضافة منها إلى موضوعات النقاش ودروس الخبرة السياسية. تعلم الدارسون في الدروة كيف توضع النقاط على الحروف وكيف يتم تشكيل رؤية سياسية واضحة على أساس من البحث والمعرفة. تعلموا أيضا كيف يتم تحديد الأهداف والجماعات المستهدفة وكيفية صياغة الرسالة السياسية وتطوير هذه الرسالة ووضعها موضع التنفيذ. كما تعلم الدارسون أصول تنظيم حملات التعبئة وقواعد الإتصال بالجماهير ومتطلبات الحد الأدنى لإحراز النجاح السياسي .

كان برنامج الدراسة ينقسم إلى جانبين، نظري يتلقى فيه الدارسون خبرات مديري حلقات النقاش، وعملي يتوزع فيه الدراسون على مجموعات تتولى كل منها إجراء اختبارات تطبيقية على قضية أو أكثر. وبعد ذلك يلتئم الجمع مرة أخرى لعرض وتقويم النتائج التي توصلت إليها كل مجموعة. وكان من نصيبي على سبيل المثال أنني شاركت في مجموعة عمل لإعداد نقاش في مجلس محلي حول مشروع لتحويل مساحة في قلب المدينة التي يمثلها المجلس إلى ساحة ملاهي وأنشطة ترفيهية ومطاعم ونواد ليلية بغرض تنشيط السياحة وإتاحة فرص العمل للعاطلين الذين تتزايد أعدادهم بسبب الأزمة الإقتصادية التي تعاني منها المدينة. كانت هذه المجموعة تنتمي إلى المعارضة وليس إلى مجموعة الأغلبية في المجلس. وكان يتعين علينا أن نبحث الأمر من الجوانب القانونية والمعمارية والأمنية والإقتصادية والبيئية من أجل إقناع المجلس الذي نمثل نحن الأقلية فيه بتبني المشروع.

وفي المقابل كانت هناك مجموعة أخرى تستعد للمواجهة ضدنا تمثل أحزاب الأغلبية في الحكومة المحلية. وتم إجراء جلسة النقاش في المجلس بين الفريقين. وبعد انتهاء الوقت المحدد للنقاش تم دعوة المواطنين (بقية الدراسين في الدورة) للتصويت مع أو ضد جانب من الجانبين (الحكومة والمعارضة) وللأسف فقد خسرنا التصويت وحصلت الحكومة على تأييد الجمهور لأنها نجحت في أن تحرف المناقشات عن الموضوع الرئيسي وأن تتسبب في حالة هياج وصراخ لتعطيل المناقشات العاقلة!

غير أن الخسارة التي منيت بها مع مجموعتي عوضتها مع مجموعة أخرى تشكلت لتصميم حملة شاملة للعمل على إقناع الجمهور بتأييد مطلب الحزب الذي أنتمي إليه بإلغاء قوانين الطوارئ في البلاد. في الحقيقة أن هذه الحملة جرى تصميمها وفقا لأكثر المعايير العملية ومراعاة القدرات الفعلية للقيادة وللجماهير. وتضمنت الحملة صياغة رؤية للوضع والرسالة السياسية الأكثر قدرة على الإقناع وتحديد الجماعات المستهدفة من الرسالة السياسية ووسائط الإتصال وتحديد مجموعات العمل والمسؤوليات والبرامج الزمنية للتنفيذ واحتياجات كل برنامج أو كل مرحلة والميزانية التقديرية للحملة. وتفاعل أعضاء المجموعة المنظمة للحملة على مستوى مرتفع جدا مستفيدين من خبراتهم العملية. وحصل المشروع على استحسان كبير من الحاضرين وجرى اعتباره واحدا من أهم المشاريع التي تم تقديمها في الدورة لشموله ودقة التفاصيل التي احتوى عليها.

ووسط الأنشطة الحيوية التي كان يقوم بها الدراسون كان هناك وقت لممارسة الرياضة والتسوق والسماع إلى الموسيقى وأيضا للرقص، فالحياة لها جانبها المبهج ولها وجوه كثيرة تبعث على السرور وتجديد الطاقة.

وخلف كل هذه الأنشطة كانت تتحرك فيليني فراير الذكية المليئة بالحيوية ذات الأربعة وعشرين ربيعا لتسجيل كل شاردة وكل واردة في المناقشات وإعداد البرامج اليومية للعمل وتسجيل نتائج الحوارات وإعداد الأوراق الإرشادية لجلسات العمل والمناقشات. تعبت كثيرا فيليني من الجهد المضني الذي بذلته ومع ذلك فإنها لم تخلد إلى الراحة حتى في اليوم الأخير. تولت فيليني إنتاج قرص مدمج لكل مشارك إحتوى على كل ما جرى في الدورة من مناقشات وضمت إلى كل ذلك باقة جميلة من الصور التي تم التقاطها في حفل الاستقبال. وتم توزيع القرص المدمج مع شهادة التخرج وصورة فوتوغرافية للدفعة في حفل التخرج الذي جاء كأروع ما يكون، حافلا بكل شيء يبعث على البهجة وعلى تعزيز المودة والصداقة بين الدارسين بما في ذلك عشاء فاخر يعج بالأطباق المصنوعة على طريقة بلدان البحر الأبيض المتوسط. كانت فيليني تتحرك هنا وهناك برشاقة الغزال وإصرار الأسد! وفي اليوم الأخير أصرت أن تحتفل بنهاية الدورة على طريقتها الخاصة. كانت فيليني فراير أكثر من جميلة في احتفالها واستطاعت أن تحصل من الجميع على الإعجاب والإعزاز في دورة إستراتيجية الاتصال السياسي بأكاديمية تيودور هويس في الفترة الممتدة من أول فبراير إلى السابع منه عام 2009 . إن أساليب الإتصال التي تم التعرف عليها ووسائل العرض التي قام بها كل منا في الدورة والأفكار التي تم تطويرها بين الدراسين تمثل رأسمالا مهما لكل منا في عمله اليومي. وأظن أن أيا من المشاركين في تلك الدورة لن ينسى الأيام السبعة التي أمضاها في جومسباخ.

إبراهيم نوار
عضو المكتب التنفيذي
سكرتير التثقيف والتدريب السياسي
حزب الجبهة الديمقراطية - مصر

 
 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر