الدورات التدريبية


تقارير المشاركين المصريين في دورات الأكاديمية الدولية للقيادة 

 

منع النزاعات وإدارة الصراعات

اسـم المشاركة :       إيمان عارف
تاريخ الـدورة :         1 - 8 فبراير 2008

التقـريـر:

(تم نشر هذا المقال بجريدة الأهرام بتاريخ 3/3/2008)
علي مدي سنوات طويلة‏،‏ كان من الأمور المسلم بها أن النظام الدولي يخضع لسيطرة منفردة من قبل الولايات المتحدة علي مجريات الأحداث‏،‏ مدعومة بتأييد حلفائها الأوروبيين‏،‏ الأمر الذي أوجد انطباعا بأن الدور الأوروبي لايعدو كونه مكملا للدور الأمريكي بشكل عام‏،‏ مع الأخذ في الاعتبار حدوث خلافات أو تباينات في وجهات النظر بين الحين والآخر‏،‏ ولكن يبدو أن تطورات الأحداث في الآونة الأخيرة‏،‏ والتي أظهرت تعثرا أمريكيا سواء علي صعيد حربها ضد الإرهاب أو التدخل في العراق‏،‏ قد تزامنت مع تصاعد الدور الأوروبي في الكثير من القضايا خاصة في منطقة الشرق الأوسط .

وقد ظهر ذلك الدور بوضوح في التعامل الأوروبي مع القضية الفلسطينية والمشكلة النووية الإيرانية‏،‏ والمشاركة في قوات اليونيفيل الموجودة في جنوب لبنان‏،‏ فضلا عن الدور الذي يلعبه في العديد من دول العالم بسبب وجود قواته ضمن حلف الناتو المنتشرة في كوسوفا وأفغانستان‏.‏ في الوقت الذي أضافت فيه عمليات توسيع العضوية‏،‏ ليشمل أعضاء جددا من شرق القارة‏،‏ بعدا سكانيا وامتدادا جغرافيا كبيرا‏.‏ وهو ما اعتبر مؤشرا ليس فقط علي تماسك الكيان الأوروبي الموحد وقدرته علي الصمود في مواجهة التحديات‏،‏ ولكن كذلك علي مرونته التي مكنته من استيعاب هؤلاء الذين تمكنوا من الوفاء بشروط الانضمام اللازمة‏،‏ الأمر الذي أعطي ثقلا وثقة للدور الذي يمكن أن تلعبه القارة علي المستوي الإقليمي والدولي وفي مناطق النزاعات الساخنة‏،‏ باعتبارها كيانا عملاقا حان الوقت لكي يأخذ وضعه المناسب‏،‏ خاصة أنه لايفتقر إلي الإمكانيات البشرية أو التقنية التي تمكنه من لعب هذا الدور‏،‏ حيث يوجد عدد هائل من مراكز الأبحاث الأوروبية المتخصصة في معالجة وإدارة الصراعات‏،‏ سواء بمفردها أو بالتعاون مع المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة علي سبيل المثال‏،‏ وهو ما بدا واضحا في معالجة الاتحاد الأوروبي الأخيرة لقضية استقلال كوسوفا علي سبيل المثال‏،‏ وإدارته من قبل لعملية توسيع عضويته‏.‏

ومن هذا المنطلق كانت الحلقة النقاشية وورشة العمل التي نظمتها مؤسسة فريدرش نومان الألمانية المقربة من الحزب الليبرالي لمدة أسبوع بمدينة جومرسباخ القريبة من كولون حول منع النزاعات وإدارة الصراعات‏،‏ وضمت مشاركين من مناطق الصراعات الساخنة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية إلي جانب شرق أوروبا‏.‏ وتناولت عدة محاور منها تغير طبيعة الصراعات الدولية في عالم اليوم‏،‏ والتوجهات المستحدثة تجاه منع الصراعات وإدارتها وما يستتبع ذلك من إجراءات لبناء السلام والاستقرار‏،‏ مع التركيز علي القضايا المتعلقة بكل منطقة علي حدة‏.‏ فضلا عن تخصيص جلسة كاملة لبحث مناهج التدخل الدولي لحل الصراعات‏،‏ والأساليب المقترحة لتحويل الصراعات من خلال السياسات الليبرالية‏،‏ وهو أمر منطقي كون المؤسسة ترتبط بعلاقات وثيقة مع الحزب الليبرالي الألماني‏،‏ مع استعراض مفصل لمعوقات عمليات التدخل الدولي‏،‏ ومدي استعداد الدول والمجتمعات المستهدفة لتقبل مثل هذه الوساطة والتدخل‏،‏ إلي جانب الحديث عن الدور الذي تلعبه الأمم لمتحدة في هذا السياق والانتقادات الموجهة لهذا الدور ولطريقة العمل داخل مجلس الأمن‏.‏ ومدي الحاجة لإصلاح هيكل المنظمة الدولية بما في ذلك ضم أعضاء جدد لمجلس الأمن‏،‏ في ظل الانتقادات التي توجه له بالانتقائية في إصدار القرارات وازدواجية المواقف‏،‏ حيث تم اختيار مشكلات معينة كنموذج ودراسة حالة علي الجهود المبذولة من قبل مؤسسات البحث الأوروبية‏،‏ مثل الوضع في ايرلندا الشمالية‏،‏ والنزاع في جورجيا بسبب رغبة إقليم ابخازيا في الاستقلال‏،‏ فضلا عن النزاع القائم في سريلانكا بين الحكومة ومتمردي التاميل‏،‏ وأخيرا جنوب أفريقيا باعتبارها نموذجا لعملية التحول الناجح رغم تعقيدات الوضع السياسي الداخلي الحالي‏.‏ والهدف من ذلك هو البحث بشكل تفصيلي عن جذور المشكلة ثم استعراض الجهود الدولية المبذولة وأخيرا الجهود الأوروبية لتسوية النزاعات القائمة‏،‏ وقصد من هذا الاختبار تغطية مناطق الصراع الساخنة علي مستوي العالم‏.‏ مع شرح أسلوب العمل المتبع من قبل هذه المؤسسات‏،‏ والذي يعتمد في المقام الأول علي تنويع المشاركين من ممثلي المجتمع المدني‏،‏ بهدف إضفاء الصفة غير الرسمية علي عملها‏،‏ مع الحرص علي جعل اللقاءات بين طرفي النزاع تأخذ شكلا دوريا‏،‏ وطرح أفكار وأجندة عمل غير تقليدية‏،‏ سعيا لتعميق فكرة الحوار وأهميته‏.‏ كما تضمن البرنامج كذلك زيارة احدي المؤسسات الألمانية المتخصصة في مجال إدارة الصراعات الدولية‏،‏ كنموذج تطبيقي لما سبق الحديث عنه‏،‏ وهو مركز بون لتحويل الصراعات وهو مركز أبحاث واستشارات يهدف للمساهمة في دعم السلام والتنمية من خلال العمل علي منع النزاعات المسلحة والمساهمة في عمليات التحول البناءة‏،‏ عن طريق مراقبة عمليات نزع سلاح الأطراف المتقاتلة وتسهيل عملية إعادة دمج الفئات المتقاتلة في المجتمع مرة أخري‏،‏ وذلك بتوفير الخدمات الاستشارية والخبرات العملية للمساعدة في تطبيق البرامج والمشروعات الملائمة‏،‏ وتعد القارة الإفريقية مجال عمل رئيسيا للمركز‏،‏ حيث سبق له العمل في سيراليون بينما يركز جهوده في الفترة المقبلة علي منطقة شرق أفريقيا‏،‏ ويهتم مشروعه الحالي بالوضع في السودان‏.‏

وكان الأمر اللافت للانتباه خلال هذه الدورة أن هناك تركيزا واضحا علي الدور الأوروبي‏،‏ والأفاق المتاحة له في المستقبل سواء علي الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو العسكري‏،‏ بعد أن أصبحت القارة طبقا لرأي أحد المحاضرين تشكل في حد ذاتها إمبراطورية بالمعني الإيجابي وليس السلبي‏،‏ فهي في رأيه تمثل القوة الناعمة التي تسعي لتحقيق السلام والاستقرار‏،‏ سواء في محيطها الإقليمي أو علي مستوي العالم‏،‏ باعتبار أن الاستقرار يصب في النهاية في مصلحة أوروبا‏،‏ وذلك دون التغاضي عن حدود ومخاطر التوسع الجغرافي بما في ذلك إشكالية انضمام تركيا للاتحاد‏،‏ وهو تصور مقبول إذا أخذنا في الاعتبار النجاح الذي حققه النموذج الأوروبي الذي احتفل العام الماضي بمرور‏50‏ عاما علي إنشائه‏،‏ مسجلا بذلك أطول فترة سلام في تاريخ القارة‏.‏ الأمر الذي عكس ثقة أوروبا الموحدة في قدراتها‏،‏ وكونها تمثل في حد ذاتها نموذجا ناجحا علي إمكان تحويل التنافس الإقليمي بين قطبين أوروبيين كبيرين مثل ألمانيا وفرنسا علي سبيل المثال إلي تعاون إيجابي انعكست صيغته في تدعيم الوحدة الأوروبية‏،‏ وإن كان هذا التصور الايجابي لم يغفل في الوقت نفسه عن العقبات التي تعترض طريق هذه الوحدة بين الحين والآخر‏،‏ ولعل أهمها في رأي يورجو تشنزماركاليس أحد المحاضرين الرئيسيين لهذه الدورة والعضو بالبرلمان الأوروبي ومن أشد المتحمسين للكيان الأوروبي الموحد هي إشكالية التعامل مع الوجود الإسلامي في أوروبا بعد أن أصبح حقيقة واقعة‏،‏ وهو في هذا الصدد يقف تماما ضد التعصب الأوروبي في قبول الآخر مثلما حدث من قبل ويحدث حاليا في أزمة الرسوم المسيئة مع الدنمارك‏.‏ ويري أن مثل هذا القبول أصبح ضروريا خاصة أن أعداد المسلمين لم تعد قليلة‏،‏ الأمر الذي يدفعه للبحث الجدي عن صيغة بسيطة وواضحة للتكامل بين القيم الأوروبية والإسلامية‏،‏ بشكل يمنع التصادم بينهما الذي يظهر علي السطح بين الحين والآخر‏،‏ مسببا المشكلات للجيلين الثاني والثالث من أبناء هذه الجاليات‏،‏ وهو بذلك يسعي للتقريب وليس التصادم‏،‏ انطلاقا من قناعاته بأن الاختلاف يعد مجالا لإثراء المجتمع وليس لهدمه‏،‏ ومن ثم فلابد من الانتباه لوضع المسلمين الذين يشعرون دائما بالتمييز ضدهم‏،‏ وهي قضية يجب في رأيه أن تدرسها أوروبا جيدا تفاديا لمشكلات عدة يمكن أن تواجهها في المستقبل القريب‏.‏

 
 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر