المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
الحرية بحاجة الى الكرامة، و لايمكن ان تتعايش مع الاذلال

بقلم محمد تمالدو *


شاهد مقطع من تسجيل الكلمة على قناتنا في يوتيوب

بسم الله الرحمن الرحيم ، الموضوع الذى نلتقى اليوم لتدراسه ، والذى يسعدنى كل السعادة أن أحمل إليكم بشأنه وجهة نظر شبكة الليبراليين العرب التى أتشرف برئاستها ، هو موضوع التعاون من أجل الحرية .

ولو أن هذه المداخلة فى حد ذاتها ورقة تعريف لجانب أساسى من جوانب مرتكزات شبكتنا ، إلا أننى وفى باب اللياقة التى يستوجبها التواصل أقف لأقدم خطوط تعريف أولية لهذه الشبكة ، التى هى فرع لمنظمة الليبرالية الدولية وإحدى شبكاته القارية الجمعوية التى تعمل عبر العالم من أجل إشاعة قيم الحرية والديمقراطية والكرامة وتدافع عن حقوق الإنسان وتدعو إلى تشجيع المبادرة الحرة إعتماداً على إقتصاد السوق فى إطار دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون والمساواة بين الناس أيا كان عرقهم أو دينهم أو جنسيتهم وتضم هذه الشبكة التى تأسست رسمياً فى مصر فى صيف السنة الماضية بعد أن أمضت سنتين فى التشاور والتحاور مع العديد من الأحزاب والفعاليات الليبرالية داخل الوطن العربى وخارجه .

وتعمل شبكة الليبرالين بدعم أصدقائها على مساعدة الأحزاب والفعاليات الليبرالية من أجل بناء مشروع مجتمعى عربى يقوم على الإيمان بقدرة الإنسان العربى على التحديات ومواجهة الظلم والإستبداد ، وإشاعة قيم الحرية والعدل والمساواة وذلك من خلال أعضائها الموزعين على كل من : ( مصر ـ لبنان ـ الجزائر ـ تونس ـ المغرب ـ الأردن ـ فلسطين )

لذلك فلا غرابة أن نتواجد اليوم هنا لنتباحث حول سبل التعاون من أجل إغناء مفهوم الحرية فى محيطنا العربى والتعاون مع أصدقائنا عبر العالم ، فالحرية هى المدخل الآساسى لتكريم الإنسان ، وهى المفتاح الأول لضمان تطوره وإزدهاره ودفعه إلى المزيد فى الإرتقاء بقدراته وكفاءاته من أجل التكفل بذاته والتطلع بإستمرار إلى أوضاع أحسن وأرقى فى إطار دولة المؤسسات وسيادة القانون الضامنة لحقوق الفردية وللديمقراطية الفعلية ولتكافوء الفرص وتساوى الحظوظ .

ولا شك أنكم لاحظتم أننى تعمدت تكرار هذه الكلمات والمفاهيم الثقيلة والوازنة والعميقة فى مدلولاتها والخفيفة على ألسنة المسئولين العرب .

لذلك لا أستغرب أن يقول قائل داخل هذه القاعة أو من بين الجماهير العربية العريضة كلما سمع هذا الكلام المكرر والإستهلاكى والمفرغ من كل معانيه الحقيقية .. إن هذا الكلام كلام وكفى !!

وأقول أننا نسعى من ضمن ما نسعى إليه إلى القطع مع فترة كان فيها الخطاب السياسى كلام وكفى !
لذلك أبدأ من حيث تجب البداية فى هذا المقام وأطرح بكل مسئولية وحرية سؤال أو إشكالية الحرية فى بلادنا العربية .
لماذا ؟ بالرغم من التراكم الفكرى والثقافى والحضارى الهائل الذى إجتمع للبلاد العربية منذ أقدم العصور فى هذا المجال .

وبالرغم من التجارب المختلفة والمتنوعة التى عاشتها وتعيشها شعوب المنطقة فى تعاملها مع الأنظمة السياسية والتوهات الإستبدادية والنزعات القومية والقبلية العشائرية والحساسيات العقائدية ، وما إستجمعته من جراء كل هذا من خلاصات ودروس لم تستطع هذه المنطقة ان تجد لها سبيلاً إلى الإنخراط الفعلى فى منظومة الحرية بكل أبعادها السياسية والأخلاقية والإنسانية والإقتصادية والثقافية .

ولماذا ظلت البلاد العربية عصية على الديمقراطية الحقيقية وإكتفائها فى أحسن الأحوال بديمقراطية الواجهة

لقد كان من المفروض أن تمثل نهاية الحرب الباردة مناسبة سانحة لتفتح أبواب الحرية ومسالك الديمقراطية على العالم أجمع وفى طليعته العالم العربى ، الذى ظل مع الأسف الشديد ولأسباب غير معلنة يقاوم بشكل أو بآخر هذا التوجه الكونى .

أعتقد شخصياً أنه بالرغم من أن لكل بلد خصوصيته التى تميز مساره فإن إستجماعاً لأهم الأسباب يكشف لنا أن هناك مغالطتان أساسيتان وخدعة كبرى .

المغالطة الأولى فتنطلق فى إعتقاد خاطىء بأن المجتمعات المحافظة أضمن لإستتباب الإستقرار فى السلطة ، فهى بطبيعتها تجنح إلى الركود الذى يأخذه بعض المسئولين العرب مأخذ القرار وهو خطأ كما سنبين ذلك .

وفى هذا الإطار نجد أن المحافظة فى المجتمعات العربية ينطلق تجاه الليبرالية فى السؤال التالى :

هل يمكن لكل المجتمعات على مساراتها التاريخية أن تتوفر على الإستعداد الذاتى لتقبل القيم والثوابت الليبرالية سواء على صعيد المجتمع والدولة والثقافة والسياسة ، وتخلص أصحاب هذا التوجه إلى القول بأن الليبرالية منتج خاص بالمجتمعات والثقافات الغربية الحديثة تم فرضه على المجتمعات التقليدية التى ليست هى الموطن الأصلى لهذه الليبرالية والتى لها تاريخها الخاص وثقافتها الخاصة .

وهذا النوع من الحماية الفكرية والنظرية الجغرافية للتوجهات الإنسانية لا تمثل سوى تحجج واهى ورفض صريح لكل إصلاح ولكل حداثة كيفما كانت مما يفتح الطريق مشرعاً أمام الغلو والتطرف والظلامية ليصبح هذا الإستقرار المنشود عن طريق التوجه المحافظ مرشحاً لأن ينقلب إلى عملية لإستئصالية قد تذهب بالأخضر واليابس .

أما المغالطة الثانية فتنطلق هى أيضاً من الإعتقاد الخاطىء بأن الحريات الفردية وخصوصاً حرية التعبير ، خطر يهدد الأمن وأن المجتمعات العربية قد لا تكون مهيأة لحرية التعبير وأنه لابد حتى إن وجدت بشكل أو بآخر أن توضع لها خطوط حمراء .

وإنطلاقاً من هذا الإعتقاد نرى أنه لازالت العديد من الأجهزة الأمنية فى بلادنا العربية تضع الحرية مقابل الأمن والإستقرار فى غالب الأحيان .

والحال أن الحرية هى الحامية للأمن والضامنة للإستقرار ( حينما تكون الحرية مبنية ) فالحرية لا تؤخذ ولا تعطى ولا تنتزع فهى ليست شهادة تعلق ولا حالة تأتى وتغيب ولكن الحرية تبنى ، فأساسها الحقوق الواضحة والثابتة وأعمدتها العلم والتأهيل ، فلا حرية مع الجهل ، ولما كان الجهل صنواً للفقر فلا حرية مع الفقر ، إذ لابد من أن يمتلك الإنسان مجهود عمله ولابد للحرية من الكرامة ، فلا حرية مع الإذلال .

والسؤال المطروح هنا هو كيف نعالج سوء الفهم الذى يتعرض له هذا المبدأ المؤسس لمجتمع الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان ، وكيف نجعل الأجهزة المسئولة فى بلادنا العربية قادرة على حمل مشروع مجتمعى حداثى ومشروع ديمقراطى متدرج فى ذات الوقت ، هذه أسئلة تطرح إشكالات عميقة فى المحيط العربى وما دامت لم تعالج بما يكفى من الجدية ، فإنه ستظل عاملاً من عوامل تكريس المزيد من العطيل لعمليات الإنتقال الديمقراطى ، بل انها قد تجعل هذا الإنتقال عملية مؤلمة أو مشروعاً عديم الجدوى وصعب المنال .

ومرة قد يقول قائل ( ولعل أحدكم سبقنى إلى قولها ) .. ما قيمة هذا الحديث عن الحرية والحريات الفردية والجماعية ، وما فائدته فى عالم عربى لازالت أطراف منه فى منطقة الشرق الأوسط تحديداً ، تعيش أوضاع الإحتلال والتجهيز ومصادرة الآراضى والتجويع والقتل الجماعى ، كما هو الشأن فى فلسطين .. أو أوضاع زرع الديمقراطية بالمدفع والرشاش كما يزرع الجراح الكلية بالمقبع والإبر كما هو الشأن فى العراق .

وأقول أن الحرية كلً لا يتجزأ وحق أما أن يكون مشاعاً بين الجميع وإما أن لا يكون ، وأن الوعى الذى يحمله الليبراليين عبر العالم لخطورة الوضع فى منطقة الشرق الأوسط فى شأنه أن يدفع قريباً إلى بلورة عمل أكثر جرأة نسعى كشبكة إلى المساهمة فيه والعمل على تحقيقه .

وأنتهى بالعقدة الكبرى التى تساهم فى تعطيل مسار الديمقراطية فى العالم العربى ، ويتعلق الأمر بعقدة اليسار .. فالعديد من البلاد العربية التى لازالت مستعصية على الليبرالية إنما يجنبها عن ذلك ترسب عقدة اليسار فى أعماق رجالاتها .

فلا يخفى أن العديد من الدول التى راهنت فى وقت من الأوقات على الإشتراكية وإنحازت بدون تحفظ إلى المعسكر الشرقى ، تعيش اليوم بقية ضغط فكرى وسيكولوجى ، خلفه طغيان الأيدولوجية المطلقة ومناهضة الديمقراطية والحرية ويفعل ما كانت تروجه هذه الأيدولوجية فى أن الحرية تشكل خطراً على الدولة كما رأينا من قبل وعلى كياناتها المركزية ، وأن الديمقراطية غير عادلة وأن إقتصاد السوق فاشل ، وان الليبرالية تفسخ وإنحلال ومغلبة الغنى على الفقير ، بفعل هذا إذن ظل رجال اليسار يمارسون ضغطاً فكرياً وهيمنة أيدولوجية بشكل يوصى بأنهم وحدهم على صواب وانهم الأقدر على نصرة المستضعف وتحرير المستعبد وتخليص المقهور .

وأنهم يتفردون بإمتلاك عقول الناس وقلوبهم ومشاعرهم مما ولد لدى العديدين من رجالات المجتمعات العربية وغيرها " عقدة اليسار " كما سماها تبيرى وولطون فى كتابه ( كيف العلاج من عقدة اليسار ) .

ربما يقول قائل مرة آخرى أنه من الغريب أن مناصرى الحرية وسائر الليبرالين عبر العالم لم يبادروا إلى وضع إستراتيجية لرد الفعل أو مقاومة هذا الضغط .

وأقول أن أغرب من ذلك أن الليبرالين إنتصروا بالرغم من ذلك كله لأن الحرية كالماء كلاهما لا يحتاج إلى أن يدلهما على الطريق ، وهنا نحن نرى فى شرقنا العربى أن صفة الإشتراكى التى كان بالأمس تحمل فى طياتها تنويهاً وتميزاً لم تعد اليوم بالضرورة صفة إيجابية كما أصبحت الليبرالية لفظاً متداولاً بقوة داخل المجتمع الغربى مثلاً .

ومع ذلك تبقى أم الغرابات كلها أن نرى عقده اليسار مستمرة وها هى تعود مع الأزمة الإقتصادية ومع إنتخاب الرئيس الأمريكى الجديد " باراك أوباما " .

فهذا صحفى أمريكى يستفز أوباما بوصفه بالإشتراكى مما دفع هذا الخير إلى الدفاع عن نفسه ، وهذه إنتفاضة دعاة الحمائية وعودة الدولة والتشكيك فى إقتصاد السوق .

وقد إنتهت أمس فى عمان ندوة نظمتها شبكة الليبراليين بالتعاون مع مؤسسة فريدرش ناومان ومنتدى الفكر الحر الأردنى ، حول تداعيات الأمة الإقتصادية العالمية على إقتصاديات العالم العربى والحلول الليبرالية المقترحة لها ، وقد سرنا كثيراً المستوى العالمى للمداخلات التى تقدم بها متخصصون والتقارير الفطرية التحليلية التى جاءت تحمل أيضاً حلولاً محلية مما يدل على أن الفكر الليبرالى فكر معطاء وان الازمات تقويه وتحفز نزعة التغلب على التحديات التى تميز كيانه .

ونحن متيقنون أن بإمكاننا أن ندفع هذا التحدى ، وان نساهم فى تحرير الطاقات والقدرات الإبداعية للمواطن العربى فالحضارة والفكر العربيين بنيا اساساً على الإنسانية والتسامح والإنفتاح والتشارك ، وحرى بنا أن نعيد بعث تراث الفكر الحر الذى أنتجته مسيرة الفكر العربى عموماً والمصرى خصوصاً عبر حقب التاريخ ، وأن نغنى الفكر الإنسانى الحر بما يثيره فينا حاضرنا من تساؤلات وما تتجه خصوصياتنا من أجوبة لهذه التساؤلات

لذلك فإن شبكة الليبراليين العرب بإعتبارها منظمة أقليمية من بين المنظمات الآخرى التابعة للائحة الدولية الليبرالية ، تدعو إلى تضافر جهود القوى الليبرالية والفعاليات المؤمنة بالحرية والمقتنعة بالخيار الديمقراطى من أجل تحقيق الإصلاحات السياسية الضامنة لكرامة المواطن وحريته و لقيام بتوفير ظروف العيش الكريم لجميع المواطنين أيا كان عرقهم أو جنسيتهم أو دينهم ، والعاملة من أجل بناء مجتمع التسامح والتعايش والسلم والإستقرار .


* رئيس شبكة الليراليين العرب. القيت هذه الكلمة باللغة العربية خلال ندوة " التعاون من اجل الحرية" برعاية مؤسسة فريدريش ناومان من اجل الحرية بالتعاون مع شبكة الليبراليين العرب في القاهرة بتاريخ 2 ابريل 2009.

 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر